تقف منطقة الشرق الأوسط هذه الأيام على حافة الهاوية امام تزايد الحشد العسكري الأمريكي حول ايران،وتحذيرات ايران من تداعيات أي عدوان أو حرب تشن عليها مهما كان مستواها ودرجتها وأهدافها، وهذه الحافة هي الأخطر منذ بدأ الصراع الأمريكي الإسرائيلي مع ايران في العام 1979 بعد انتصار الثورة الإسلامية الإيرانية، التي جاءت بانقلابات شاملة في الفكر والسياسة والاقتصاد والثقافة والحياة الاجتماعية، وقد شهدت السنوات السبعة والأربعين من عمر هذا الصراع والعداء، توترات دائمة، وحالة شحن متواصلة، وتعبئة لا تتوقف، وصلت لحرب الظل بين إسرائيل وايران تمثل في ضرب السفن التجارية بمسيرات، وتفجيرات في الموانيء، واغتيال العلماء، وضرب المراكز والاهداف والقادة والشخصيات في ايران وسوريا ولبنان وغيرها، ودعم المناوئين لإسرائيل بالمال والتدريب والخبرات، وصولا لاستكمال ايران مشروعها النووي السلمي الذي كانت بدايته قد انطلقت في زمن الشاه المخلوع محمد رضا بهلوي، وتعرض للتجميد لفترة قبل ان تعود ايران الحديثة لإطلاقه واستكماله في زمن الرئيس الإيراني الراحل هاشمي رافسنجاني على أرضية حقها في الحصول على الطاقة النووية السلمية، كباقي الدول التي تسعى للتقدم والتطور وفق الاتفاقيات الدولية والشروط العالمية.
إن إصرار ايران على إكتساب الطاقة النووية،كان ولا زال الهاجس الأكبر لدى إسرائيل والولايات المتحدة والقوى الغربية بشكل عام، وهذا الهاجس المتنامي والمتصاعد مردة عقدة الإبادة التي تعرض لها اليهود في الحرب العالمية الثانية على يد النازية، ويكفي ان تستدل على عمق هذه العقدة ما قام به نتنياهو عندما فاز في الانتخابات الثانية في العام 1999، حيث زار في اليوم التالي مقر قيادة الجيش الإسرائيلي للطلاع على خطط ضرب ايران، وقال بعدها بأيام في خطاب له في الكنيست “انه لن يسمح بحصول إبادة ثانية للشعب اليهودي”، بالإضافة الى قلق إسرائيل الكبير من تطويقها بقوى مسلحة موالية لإيران في جنوب لبنان وقطاع غزة والعراق واليمن وسوريا قبل سقوط نظام بشار الأسد، ومشروع اللواء قاسم سليماني الذي كان يعمل على مشروع استراتيجي طويل الأمد يتمثل بتطويق إسرائيل بمليون صاروخ في كل من لبنان وسوريا وايران والعراق واليمن وغزة، وان ما جرى في السابع من أكتوبر يصب في مخاوف العقدة المذكورة وما ردة الفعل الإسرائيلية العنيفة و القاسية وغير المسبوقة الا تعبير هائل عن الخوف من الوصول لحالة تقارب وتشابة عقدة ” الإبادة” ولو بشكل مصغر.
إزاء ذلك،كانت عباءة الرد الإسرائيلي على ما جرى في السابع من أكتوبر أوسع من حيزها الجغرافي في قطاع غزة، بل توسعت وشملت لبنان واليمن وسوريا والعراق وايران، فكان العدوان على ايران في الثالث عشر من حزيران العام الفائت، والذي بالرغم من المفاجئة الأمنية التي تحسب لصالح إسرائيل، الا أن خارطة الحرب بأيامها الاثنى عشر، حملت مؤشر واضح يدل على أن إسرائيل لا تستطيع تواصل هذه الحرب زمنا أطول، لان الاستنزاف فيها موجع ومؤلم للجانب الإسرائيلي أكثر مما هو الحال عليه للجانب الإيراني، لذلك تدخلت الولايات المتحدة بضربة مساندة تمثلت بالاغارة على بعض المنشأت المهمة في المشروع النووي، وإنكفأت وسحبت معها إسرائيل تحت مظلة وقف اطلاق النار.
أما اليوم، وبعد مرور سبعة اشهر على هذه المواجهة، والتي عمل فيها الجانب الإيراني على ترميم واقعه الأمني الداخلي، والإسراع في سد الثغرات العسكرية التي كشفتها الحرب، من شراء طائرات حربية متطورة، وأنظمة دفاع جوي،وتطوير وتعويض الصواريخ البالستية والفرط صوتية، وبشكل متسارع ومتواصل، والإبقاء على الموقف الإيراني الرافض لكل الشروط التي تطلب منه دبلوماسيا والمتمثلة في تصفير التخصيب، وتقصير مديات الصواريخ البالستية والفرط صوتية، والتوقف عن دعم قوى المقاومة في المنطقة، وعدم حل مسألة كمية اليورانيوم المخصب الموجودة لدية الا في حال اتفاق شامل متوازن،كل هذه المواقف الإيرانية وغيرها،اصطدمت بالتوجه الأمريكي الجديد الساعي لتطبيق شعارات ترامب الانتخابية بآلية توسعية وعاجلة لا تنتظر التمهل، جوهرها خوف الإدارة الامريكية وعلى رأسها ترامب في ان تفقد الولايات المتحدة مكانتها العالمية امام نمو الصين وروسيا وتوسعهما عالميا، وظهور تكتلات مثل البريكس وملتقى شغنهاي التي تهدد القطبية الأحادية للولايات المتحدة اقتصاديا وسياسيا، فإن التوجه نحو ايران بالحشد والحصار ولتهديد بالحرب واسقاط النظام لا يحمل ترف الوقت الذي يسمح للدبلوماسية في فك فتيل الازمة، وبالتالي ستكون الحرب اسرع مما نتصور، واكبر مما يتوقعه الساسة والمحللون،لان قائمة البرنامج الذي يسعى ترامب لتحقيقه خلال فترة الثلاث سنوات المتبقية له في الحكم كبيرة ومزدحمة، وامامها عوائق حية منظورة،وعوائق غير متوقعة.
إن هدف الحرب سيكون إسقاط النظام بالدرجة الأولى،استكمالا لما جرى مع فنزويلا ورئيسها مادورو، وهذا الهدف في ايران ربما يتطلب قوة كبيرة ومراحل واسعة من نطاق النار وايام وأسابيع واشهر من القتال،أبعد من تقديرات ترامب ونتنياهو، لأن الحرب هذه لا يقصد فيها ايران فقط، بل الصين وروسيا،وكأن ايران تشكل العقدة التي تقف في وجه واشنطن في سيرها نحو بحر الصين، وحدود روسيا وكرواتيا،وبذلك مفاتيح الحرب لا يمكن ان يتحكم فيها الامريكان والإسرائيليين لان الغموض العسكري الذي تمارسة ايران يجعل الجانبان الأمريكي والإسرائيلي رغم اصرارهما على التخلص من هذا النظام الإيراني حاجة ملحة في قلق وتردد، بل عدم استشراف واضح لنتائج هذه الحرب،ومآلاتها.
لقد ضاق الامريكيون ومن خلفهم الإسرائيليون والغربيون ذرعا بالحالة الإيرانية التي استعصت عليهم طيلة العقود الخمسة الماضية،وحان الوقت حسب تقديراتهم ان يغلق هذا الملف اغلاقا تاما،في ظل هذه الموجة من التغيرات التي يشهدها العالم بيد ترامب وطموحاته في السيطرة والهيمنة،لكن ما لا يريد ترامب ومن خلفه نتنياهو حله أو عجز كلاهما عنه هو شفيرة ايران الثورة الإسلامية التي مكنت ايران من الصمود والتحدي طيلة العقود الخمسة تقريبا،برغم من الحصار والعقوبات التي لم يتعرض لها كما ومدة في التاريخ احد،ومستوى التقدم والمكانة التي وصلت اليها طهران على مستوى المنطقة والعالم سواء كانت عسكرية او اقتصادية او علمية،لذلك ومع حتمية الحرب،لا يمكن التكهن بالنهايات،او التحكم بآليات وخيوط ومساحة الصراع العسكري القادم الذي برأيي ستكون إيران هي الأكثر تحكم به،وتوظيفه لافشال اهداف الحرب،بل فرملة الاندفاع الترامي نحو الهيمنة والسيطرة وإعادة الوجه الحديث للاستعمار والتبعية ونهب خيرات الشعوب.







