حرب الأشهر الثلاثة غيّرت الخليج… ولن يعود كما كان

بحسب التقرير، تحطمت أوهام دول الخليج بالأمان، بعد الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران، حيث قلبت شعور تلك الدول بالأمن رأساً على عقب، وأنهكت اقتصاداتها “الغنية بالطاقة”، ودفعها نحو إعادة النظر في استراتيجياتها الدفاعية. فالقواعد العسكرية الأمريكية المقامة على أراضيها، بدلاً من أن تحميها من أي مكروه، جعلتها أهدافاً لآلاف الصواريخ والطائرات المسيرة الإيرانية.

 

قال تقرير، نشره موقع “نيويورك تايمز” الأمريكي اليوم الجمعة، إن في مواجهة اتفاق أمريكي-إيراني يتركها مكشوفة أمام المخاطر، تعمل دول الخليج على إعادة تشكيل استراتيجيتها الدفاعية واقتصاداتها وطرق تجارتها، حيث تابع سكان دول الخليج الثرية لعقود من الزمن، حروب المنطقة عبر شاشات التلفزيون؛ فالحرب كانت تقع لدى جيرانهم، في اليمن، وفي سوريا، وفي غزة، لكنها لم تصل إليهم قط.

وبحسب التقرير، تحطمت تلك الأوهام بفعل الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران، حيث قلبت شعور تلك الدول بالأمن رأساً على عقب، وأنهكت اقتصاداتها “الغنية بالطاقة”، ودفعها نحو إعادة النظر في استراتيجياتها الدفاعية. فالقواعد العسكرية الأمريكية المقامة على أراضيها، بدلاً من أن تحميها من أي مكروه، جعلتها أهدافاً لآلاف الصواريخ والطائرات المسيرة الإيرانية.

ويواصل التقرير، يبدو أن القتال قد انتهى، على الأقل في الوقت الراهن، ومع ذلك يخشى الكثيرون في دول الخليج من أن الاتفاق الذي يتبلور بين الولايات المتحدة وإيران لن يساهم سوى بقدر ضئيل في التخفيف من الخطر الذي تمثله طهران عليهم، بحسب المحللين.

وفي اعتراف ضمني بمخاوف الخليج، التقى وزير الخارجية الأمريكي، ماركو روبيو، بعدد من القادة العرب في المنطقة هذا الأسبوع، ساعياً إلى طمأنتهم. وقال للصحفيين في الكويت يوم الأربعاء إن الولايات المتحدة “لن تُقدِم على أي خطوة تقوض أمن حلفائنا”.

ويؤكد التقرير أنه ومع انكشاف نقاط ضعفها، تغيرت دول الخليج للأبد بفعل الحرب؛ وبات العديد منها عازماً الآن على تعزيز قوته الصلبة، وإنفاق المزيد من الأموال على المعدات العسكرية والدفاعية. ويمثل هذا المزاج الجديد تحولاً ملموساً عن المشاريع الكبرى والمتفائلة التي رسمت ملامح العقد الماضي في المنطقة.

 

إن المشاهد التي شهدتها الأشهر القليلة الماضية في مدن خليجية مثل دبي والدوحة، بما في ذلك الانفجارات الهائلة وتصاعد الدخان من الأبراج الفاخرة، كانت أمراً لا يمكن تصوره بالنسبة لمعظم السكان في السابق. فقد تكدس الآباء مع أطفالهم في الممرات مع انطلاق صفارات إنذار الصواريخ على هواتفهم، وأغلقت المدارس في الإمارات لأسابيع، وفر بعض المقيمين الأجانب الأثرياء من البلاد. ولم تكن هناك مقارنة تاريخية يمكن للمنطقة استحضارها سوى الغزو العراقي للكويت، قبل أكثر من ثلاثة عقود.

وبحسب التقرير، مع تبنّي كل حكومة لنهجها الخاص تجاه إيران، يبدو أن الحرب وسّعت الفجوات بين بعض دول الخليج بدلاً من توحيدها؛ حيث ضاعفت الإمارات من تحالفاتها مع الولايات المتحدة وإسرائيل، وعملت قطر كوسيط رئيسي في جهود التفاوض على اتفاق أمريكي-إيراني، بينما سعت السعودية إلى إبقاء خياراتها مفتوحة، محاولاً توجيه قرارات إدارة ترامب مع الحفاظ في الوقت ذاته على قنوات اتصال مع المسؤولين الإيرانيين. في المقابل، أثارت سلطنة عمان غضب الرئيس ترامب لإنخراطها في محادثات مع إيران بشأن إمكانية فرض رسوم خدمة في مضيق هرمز، وهو الممر المائي الذي تصدّر عبره دول الخليج النفط والغاز.

ويمثل إغلاق إيران الفعلي للمضيق أحد أكبر التحولات الجذرية؛ فالتهديد بأن طهران قد تُقدم على إغلاقه مجدداً بات يخيم على المنطقة، ونتيجة لذلك، تعيد دول الخليج النظر في كيفية دخول وخروج النفط والغذاء والسلع الأخرى من وإلى أراضيها.

ويقول التقرير إن الإمارات تعمل حالياً على تنفيذ استراتيجية “التخلي التام عن الاعتماد على هرمز”، عبر توسيع موانئها الواقعة خارج المضيق وبناء خطوط أنابيب النفط والسكك الحديدية، وفقاً لما صرّح به وزير التجارة الإماراتي مؤخراً لـ “بلومبيرغ”. أما سلطنة عمان، الهادئة بطبيعتها والتي تمتلك موانئ على بحر العرب تبعد مئات الأميال عن المضيق، فقد تحولت إلى مركز لوجستي حيوي لجيرانها، عبر نقل السلع إليهم براً بالشاحنات.

أما علناً، فقد رحب القادة الخليجيون بالاتفاق الرامي لإنهاء القتال، والذي أثبت أنه كارثي لدولهم لدرجة أن قلة فقط أرادت له أن يستمر. فخلال اجتماع “مجموعة السبع” الأسبوع الماضي في فرنسا، وجه محمد بن زايد، رئيس دولة الإمارات، رسالة شكر للرئيس ترامب قائلاً وهو يميل بجسده إلى الأمام: “شكراً لدعمكم، والتزامكم، تجاه أصدقائكم. هذا يعني لنا الكثير، وقد أثبتم لنا من هو الحليف الحقيقي”.

إلا أنه في الكواليس، وبحسب المحللين، يشعر العديد من المسؤولين الخليجيين بمزيج من الإحباط وخيبة الأمل تجاه حلفائهم القدامى، بما في ذلك الولايات المتحدة؛ إذ لم يتطرق الاتفاق الأولي بين واشنطن وطهران سوى بشكل هامشي لمخاوف الحكومات الخليجية، مثل ترسانة الصواريخ والمسيّرات الإيرانية أو دعم طهران للميليشيات الإقليمية. ويوم الاثنين، رفعت إدارة ترامب مؤقتاً العقوبات النفطية عن إيران، وهو ما قد يمنح طهران دفعة اقتصادية قوية.

وفي مقال نشر مؤخراً بصحيفة “الشرق الأوسط”، اعتبر الكاتب السعودي عبد الرحمن الراشد، المقرب من قيادة السعودية، أن الاتفاق الأمريكي-الإيراني “يعيد تأهيل نظام طهران كقوة إقليمية”، مضيفاً أن المكاسب المالية التي قد يمنحها الاتفاق “ستجعل من إيران وحشاً أكبر مما كانت عليه في السابق”.

كما لمح مسؤولون أمريكيون إلى إمكانية مساهمة دول الخليج في صندوق لإعادة إعمار إيران بقيمة 300 مليار دولار، وهي فكرة لقيت استقبالاً بارداً في المنطقة.

وقد عكست جولة روبيو هذا الأسبوع إلى الإمارات والكويت والبحرين تلك التوترات، حتى مع سعيه للتأكيد على حرص المسؤولين الأمريكيين على الاستماع لوجهات النظر في كافة أنحاء المنطقة، حيث قال: “نحن نريد اتفاقاً، لكننا لا نريد اتفاقاً بأي ثمن”.

 

ويوم الخميس، عقب اجتماع مع وزراء الخارجية الخليجيين في البحرين، صرح روبيو للصحفيين بأنهم “أطلعونا على مخاوف ملموسة جداً”، وأنه تعهد بإشراك حكوماتهم “في كل خطوة” خلال المفاوضات مع إيران. وأوضح أنه لم يطرح في مناقشاته فكرة مساهمة الحكومات الخليجية في صندوق الـ 300 مليار دولار، مشيراً إلى أن المسؤولين الخليجيين أخبروه بأن “من بالغ اهتمامهم”* الحصول على تمويل خاص بهم لإعادة إعمار أراضيهم.

 

وفي كلمة له خلال اللقاء مع روبيو، قال عبد اللطيف الزياني، وزير الخارجية البحريني، إن المنطقة رحبت بانتهاء الأعمال العدائية “بعد التحديات الجسيمة التي واجهناها”، مضيفاً: “نرى اليوم بصيصاً من الأمل”.

ومع ذلك، وفي مرحلة ما بعد الحرب، “هناك تصور في الخليج بأن الردع ضد إيران قد تراجع”، وفقاً للباحث البحريني مهدي غلوم، ما يعني أن التهديدات الأمريكية والإسرائيلية ضد إيران قد تكون أقل فعالية مستقبلاً.