أشعلت حرب العدوان الإسرائيلي – الأميركي الغادر على إيران ساحات التواصل الاجتماعي في العالم العربي بحروب كلامية تتوازى مع ألسنة النار المتصاعدة في الميدان، وتحولت إلى لحظة كاشفة لاصطفافات حادّة، ولخللٍ عميقٍ في فهم طبيعة الصراع وأهدافه، وقسمت الرأي العام بين مؤيدين يرون فيها فرصة للقضاء على خصم تاريخي وعدو ديني قديم، ومعارضين يعدّونها عدواناً سافراً على دولة ذات سيادة، وانتهاكاً سافراً لكل مبادئ القانون الدولي.
في معسكر التأييد، نجد طيفاً واسعاً من مطبعين ومتَصهينين لا يخفون انحيازهم إلى إسرائيل بدوافع مصلحية أو أيديولوجية، ولا يتحرّجون من إعلان خصومتهم القضية الفلسطينية، إلى جانب سلفيين متشدّدين عقائدياً ومتزمتين فكريّاً ينظرون إلى إيران من زاوية مذهبية ضيقة، فيرون في استهدافها انتصاراً لهويتهم العقدية. ويضاف إلى هؤلاء جمهور تأثّر بالدعاية الغربية، لا يرى في إيران سوى نظامها السياسي وسجله الحقوقي، فيختزل المشهد كله في صورة سلطتها الثيوقراطية، ويتجاهل تعقيدات الجغرافيا السياسية وحسابات القوة والأبعاد الاستراتيجية.
في المقابل، يتشكّل معسكر آخر يدافع عن إيران، لكنه ليس كتلة واحدة، فثمّة من يؤيدها تأييداً أعمى انطلاقاً من ارتباط عقائدي بالنظام، وثمّة من ينطلق من مبدأ رفض العدوان على سيادة الدول ورفض منطق القوة لفرض الإرادات، وثمّة من يرى في موقف طهران من القضية الفلسطينية سبباً كافياً للانتصار لها في مواجهة إسرائيل. بين هذين المعسكرين، تضيع الأسئلة الكبرى، وتختلط الاعتبارات المبدئية بالصراعات السياسية والخلافات المذهبية والانفعالات الأيديولوجية.
ولعل الأسئلة الأهم التي ينبغي طرحها بعيداً عن كل هذا الضجيج: حربُ من هذه؟ وما هي مبرّراتها الحقيقية؟ وما هي أهدافها الخفية؟ تساعد الإجابات عن هذه الأسئلة على التموقع الصحيح وعدم فقدان البوصلة، حتى لا يُصاب أي طرفٍ بنيران صديقة تثخن في صفوفه أكثر مما تفعل النيران المشتعلة حالياً في المنطقة. فعندما نراقب الخطاب الأميركي في الأيام الأولى لهذه الحرب نجده متناقضاً؛ مرّة يُقال إنها لتدمير البرنامج النووي والقدرات الصاروخية، ومرّة لإسقاط النظام وجلب الديمقراطية، ومرّة يُنفى هذا وذاك. يوحي هذا الاضطراب في السردية الرسمية بأن ما يُعلن ليس بالضرورة جوهر المقصود، وأن الأهداف العميقة أبعد من التصريحات العلنية الموجهة للاستهلاك العام.
على المستوى الأميركي، يصعب فصل هذه الحرب عن حسابات داخلية وشخصية ونفسية وجيوستراتيجة عند الرئيس دونالد ترامب، فإعلان الحرب دون تفويض واضح من الكونغرس أو غطاء أممي يعكس نزعة إلى إدارة السياسة الخارجية بمنطق القرار الفردي. كما أن توقيتها في سياق انتخابي حسّاس يمنحها بعداً تكتيكيّاً داخليّاً، سواء لتحويل الأنظار عن أزمات داخلية في مقدمتها ملفات إبستين، أو لإعادة تقديم صورة “القائد الحازم” و”المخلّص” و”صانع السلام” في عالم مضطرب، أنهى سبع حروبٍ بضربة واحدة، وحتى حين يشعل حرباً جديدة يزعم أنه يفعل ذلك من أجل نشر السلام. وليس مصادفة توقيت إعلانها في سنة انتخابية، وعلى بُعد أقل من تسعة أشهر من الانتخابات النصفية للكونغرس، في سياقٍ يخشى فيه ترامب فقدان أغلبيته والتحول إلى “بطّة عرجاء”. أما استراتيجيّاً، فإن الصراع على الطاقة وموازين القوة العالمية، سيما في مواجهة الصين، يظل خلفية لا يمكن تجاهلها في أي قراءة لمشهدٍ تتداخل فيه الجغرافيا بالاقتصاد. فهدف ترامب الاستراتيجي البعيد هو السيطرة على أكبر احتياط وأكبر إنتاج من النفط في العالم؛ فبعد استيلائه على نفط فنزويلا، وإذا وضع يده على نفط إيران، وبالإضافة إلى نفط بلاده، سيصبح مسيطراً على أكثر من 33% من الاحتياطي العالمي و25% من الإنتاج الحالي، ما يمكّنه من تحقيق النصر في سباقه الوجودي مع الصين، الهدف الأول والأخير في حروبه أخيراً من كاراكاس إلى طهران.
ولكن اختزال الحرب في بعدها الأميركي وحده يظل قراءة ناقصة، لأن هذه الحرب، في النهاية، تبقى أولاً وأخيراً حرب إسرائيل، وحرب رئيس وزرائها مجرم الحرب، بنيامين نتنياهو، المطلوب للعدالة الدولية، الذي نجح في جرّ الرئيس ترامب إلى أتونها لتحقيق مآربه الشخصية والنفسية والجيوستراتيجية، فالرجل يواجه تحديات سياسية وقضائية داخلية، والحرب لطالما كانت في التجربة الإسرائيلية وسيلة لإعادة ترتيب المشهد الداخلي وتوحيد الجبهة خلف القيادة. وعلى المستوى الشخصي، كل الحروب التي فتحها نتنياهو ولم ينهها إنما يُشعلها ليبقى في السلطة، ويفلت من محاكماتٍ تلاحقه في بلاده. ولا غرابة في أن تأتي هذه الحرب في سنة انتخابية حاسمة بالنسبة لمصيره، يسعى فيها إلى الخروج متوّجاً برئاسة جديدة تثبته أربع سنوات أخرى، وتمنحه فرصة الإفلات من العقاب. وعلى المستوى النفسي، غرور السلطة وتعطشه إلى الدماء بفعل إدمان ربع قرن من الحروب جعلاه يرى في نفسه بطل إسرائيل التاريخي الذي يحارب العماليق على كل الجبهات وينتصر عليهم، وملكاً يستحق أن يُخلّد اسمه على الهيكل المزعوم. وعلى المستوى الاستراتيجي، لا يخفي الرجل طموحه في إعادة تشكيل التوازنات في الشرق الأوسط بما يكرّس تفوق بلاده عسكرياً وسياسياً، ويُضعف خصومها المباشرين وغير المباشرين، ويفرض وجودها ممتدّة من الفرات إلى النيل.
عندما نضع هذه العناصر معاً، يتضح أن الحرب ليست وليدة اللحظة، بل حلقة في سلسلة طويلة من الحروب والصراعات الممتدة منذ عقود، منذ أول هجوم إسرائيلي على المفاعل النووي العراقي مطلع ثمانينيات القرن الماضي، وقبلها الحروب التوسّعية منذ احتلال أرض فلسطين التاريخية وما تلا ذلك في عدوان على مصر ولبنان وسورية والأردن. وهي كذلك نتيجة لتراكم خيارات استراتيجية اتُّخذت منذ نهاية الحرب الباردة، واشتغلت على تفكيك موازين القوى الإقليمية وإعادة تركيبها، منذ سياسة “الاحتواء المزدوج” التي جُرّبت حين شجّعت واشنطن الحرب العراقية الإيرانية وموّلتها وسلّحتها ثماني سنوات لضرب أكبر قوتين استراتيجيتين في المنطقة بعضهما ببعض، وصولاً إلى حرب “الفوضى الخلاقة” منذ الحرب الأولى على العراق ثم الثانية، وانتهاء بالحروب الأهلية التي خاضتها عنها بالوكالة خلايا إرهابية ومليشيات عميلة وانفصالية من العراق والشام إلى اليمن جنوباً والسودان غرباً.
هذه حربٌ يتداخل فيها الشخصي والنفسي بالاستراتيجي، والداخلي بالإقليمي، والعلني بالمسكوت عنه، والقيمي والأخلاقي بالانتهازية والعمالة، والمبدئي بالمصلحة، والبراغماتية بالواقعية، والعاطفة بالإيديولوجية، وفهمها يتطلب تجاوز الشعارات والضغط على العواطف والانتصار على الإيديولوجيا للوصول إلى تفكيك المصالح وفهم الدوافع. عندها فقط يمكن أن نحدّد موقعنا منها بوعي، وأن نمنع البوصلة من الانحراف في زمن تختلط فيه الأصوات وتتعالى فيه نداءات الاصطفاف.
وفي قلب هذا كله، تبقى قضية جوهرية هي لبّ الصراع وبدايته ومنتهاه، إنها القضية الفلسطينية، المحور الرئيس الذي تتقاطع عنده خطوط النار، ويدور حوله صراع على خرائط النفوذ وعلى معنى المقاومة ومستقبل المنطقة. وحين يُنظر إلى هذه الحرب من هذه الزاوية، يتبدد كثيرٌ من الضباب، وتتضح الصورة وتتسع العبارة لفهم ما يجري من غزّة إلى لبنان وسورية والعراق وصولاً إلى طهران ومروراً باليمن، فإضعاف كل قوة تُعدّ داعمة للفلسطينيين يدخل في سياق أوسع يسعى إلى تصفية ما تبقى من روح المقاومة في الجغرافيا العربية تمهيداً لقيام إسرائيل الكبرى من القدس إلى أرض بلقيس.
الاصطفاف الأعمى خلف هذا الطرف أو ذاك لا يكفي لبناء موقف متماسك. المطلوب أولاً تحديد البوصلة: هل المعيار هو الحسابات المذهبية؟ أم المواقف من الحريات الداخلية؟ أم مبدأ رفض العدوان وتغوّل القوة؟ أم موقع القضية الفلسطينية في سلم الأولويات؟ من دون وضوح في الإجابة، ندور في حلقة سجال عقيم، ونخوض حروباً افتراضية تستهلك طاقتنا فيما تتغير خرائط المنطقة على الأرض من حولنا.









