حركة فتح بين الجوهر الثوري والتحول السياسي..دراسة تحليلية

بقلم: الدكتور صالح الشقباوي

تُعدّ حركة التحرير الوطني الفلسطيني فتح من أكثر الحركات الوطنية العربية حضوراً في التاريخ السياسي المعاصر، ليس فقط بوصفها تنظيماً سياسياً قاد الثورة الفلسطينية الحديثة، بل لأنها شكّلت حالة وجودية خاصة للفلسطيني الذي كان يعيش حالة ضياع بعد النكبة. لقد استطاعت فتح أن تنقل الفلسطيني من حالة الانتظار إلى حالة الفعل، ومن اللجوء إلى الثورة، ومن الصمت إلى امتلاك صوته التاريخي.
إنّ جوهر فتح في بداياتها تأسس على فكرة التحرر الوطني، وعلى إعادة بناء الكينونة الفلسطينية التي حاول المشروع الصهيوني محوها من التاريخ والجغرافيا معاً. ومن هنا ارتبطت الحركة بالكفاح المسلح باعتباره أداة لإعادة إنتاج الذات الوطنية الفلسطينية، وليس مجرد وسيلة عسكرية. فالفدائي الفلسطيني في الفكر الفتحاوي لم يكن مجرد مقاتل، بل كان تعبيراً عن عودة الفلسطيني إلى التاريخ بعد محاولة اقتلاعه منه.
لكن التحولات السياسية التي عرفتها القضية الفلسطينية، خاصة بعد إنشاء السلطة الوطنية الفلسطينية، دفعت فتح إلى الانتقال من مرحلة الثورة إلى مرحلة المؤسسة، ومن منطق التحرر إلى منطق الإدارة السياسية. وهنا ظهرت الإشكالية الكبرى: هل استطاعت فتح أن تحافظ على جوهرها الثوري وهي تتحول إلى سلطة سياسية؟ أم أن التحول السياسي أدخلها في حالة تناقض مع ذاتها الأولى؟
إن هذه الجدلية تمثل سؤالاً أنطولوجياً حول معنى وجود الحركة ذاته. فالحركات الثورية تُعرف غالباً من خلال فعل المقاومة، بينما تُعرف المؤسسات السياسية من خلال إدارة الواقع والتفاوض معه. وعندما تجتمع الثورية مع البراغماتية السياسية داخل بنية واحدة، ينشأ توتر دائم بين المثال والواقع، بين الحلم وإكراهات السياسة.
لقد أدركت فتح عبر مسيرتها أن الحقيقة الوطنية الفلسطينية ليست أحادية الشكل، ولذلك لم تُقيد نفسها بأداة واحدة. فالمقاومة المسلحة كانت مرحلة من مراحل التعبير عن الوعي الوطني، بينما أصبح العمل السياسي والدبلوماسي مرحلة أخرى من مراحل الدفاع عن القضية الفلسطينية. ومن هنا يمكن القول إن فتح لم تتخلَّ عن الحقيقة الوطنية، بل غيّرت وسائل التعبير عنها وفق التحولات التاريخية والإقليمية والدولية.
غير أن الخطر الحقيقي يكمن في فقدان التمايز الجوهري للحركة. فإذا فقدت فتح خصوصيتها كحركة تحرر وطني، وتحولت إلى مجرد جهاز إداري أو سياسي منفصل عن روحها الأولى، فإنها تكون قد فقدت معناها التاريخي. فالحركات الكبرى لا تُقاس فقط بوجودها التنظيمي، بل بقدرتها على الحفاظ على رمزيتها التاريخية وفاعليتها الوطنية.
لقد شكّلت فتح، بقيادة ياسر عرفات، حالة وطنية جامعة، استطاعت أن توحد الفلسطيني حول فكرة الوطن والهوية والقرار الوطني المستقل. ومع التحولات التي قادها محمود عباس، انتقلت الحركة إلى فلسفة سياسية مختلفة تقوم على التفاوض، والعمل الدبلوماسي، ومحاولة بناء الدولة الفلسطينية عبر الشرعية الدولية. وهنا تتجلى المفارقة بين فلسفة الثورة وفلسفة الدولة، وبين منطق البندقية ومنطق السياسة.
لكن رغم هذه التحولات، يبقى السؤال مفتوحاً: هل يمكن لحركة تحرر أن تتحول إلى سلطة دون أن تفقد ذاتها؟ وهل تستطيع فتح إعادة إنتاج مشروعها الوطني بصورة جديدة تحفظ لها جوهرها الثوري وتمنحها القدرة على مواصلة الحضور في الوعي الفلسطيني؟
إن مستقبل فتح مرتبط بقدرتها على إعادة تعريف ذاتها دون الانفصال عن جذورها التاريخية. فالحركات التي تفقد ذاكرتها تفقد شرعيتها، والحركات التي تعجز عن التجدد تفقد قدرتها على الاستمرار. لذلك فإن التحدي الحقيقي أمام فتح اليوم ليس فقط في مواجهة الاحتلال، بل أيضاً في مواجهة أزمة المعنى داخل بنيتها الفكرية والسياسية.
ختاماً، يمكن القول إن فتح ليست مجرد تنظيم سياسي عابر، بل هي جزء من الوعي الوطني الفلسطيني الحديث. إنها تجربة تاريخية جمعت بين الثورة والسياسة، وبين الحلم والواقع، وبين الوطن بوصفه فكرة، والدولة بوصفها مشروعاً. ولذلك سيبقى السؤال حول فتح سؤالاً مفتوحاً حول معنى الوجود الفلسطيني ذاته، وحول قدرة الفلسطيني على الاستمرار في الدفاع عن حقه التاريخي في الأرض والهوية والحرية.