ليست حركة التحرير الوطني الفلسطيني – فتح مجرد تنظيم سياسي وطني ظهر في لحظة تاريخية عابرة، بل هي حالة فلسفية وسياسية أعادت تشكيل الوعي الفلسطيني المعاصر، وأخرجت الفلسطيني من حالة الشتات السلبي إلى حالة الفعل التاريخي المنتج للهوية والمعنى. لقد أعادت فتح للفلسطيني إدراكه لذاته بوصفه كائناً تاريخياً يمتلك حقه في الأرض والوجود والسيادة، بعد أن حاولت النكبة تحويله إلى مجرد لاجئ فاقد للمكان والمعنى.
لقد قامت فلسفة فتح الأولى على استعادة الإنسان الفلسطيني قبل استعادة الأرض، لأن تحرير المكان يبدأ بتحرير الوعي. ومن هنا كان الكفاح المسلح عندها ليس مجرد أداة قتالية، بل فعلاً وجودياً يعيد إنتاج الفلسطيني بوصفه فاعلاً في التاريخ لا ضحية خارجه. ولذلك استطاعت فتح أن تعيد فلسطين إلى الجغرافيا السياسية للعالم، وأن تحول القضية الفلسطينية من ملف إنساني إلى قضية تحرر وطني.
غير أن التحولات الدولية والإقليمية دفعت الحركة لاحقاً إلى الانتقال من منطق الثورة الخالصة إلى منطق السياسة وإدارة الممكن، وهنا برزت فلسفة الرئيس محمود عباس التي يمكن وصفها – فلسفياً – بالمنهج الأركيولوجي السياسي في قراءة الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.
فالرئيس أبو مازن لا يتعامل مع القضية الفلسطينية بمنطق الانفجار الثوري وحده، بل بمنطق الحفر العميق في طبقات التاريخ والسياسة والشرعية الدولية، وكأنه يمارس عملية أركيولوجية معرفية تستخرج الحق الفلسطيني من تحت ركام الروايات الصهيونية والاستعمارية. إنه لا يبحث فقط عن فلسطين بوصفها أرضاً محتلة، بل بوصفها حقيقة تاريخية وقانونية وأخلاقية متجذرة في عمق الزمن.
فالمنهج الأركيولوجي عند أبو مازن يقوم على تفكيك الرواية الصهيونية، وإعادة بناء السردية الفلسطينية داخل النظام الدولي الحديث، انطلاقاً من الوثيقة والقانون والاعتراف الأممي. ولذلك ركز على تدويل القضية الفلسطينية، وعلى الاعتراف الدولي بالدولة الفلسطينية، وعلى الانضمام إلى المؤسسات الدولية، باعتبار أن الصراع لم يعد فقط صراع بنادق، بل صراع روايات وشرعيات ومعانٍ.
لقد فهم أبو مازن أن الاحتلال الإسرائيلي لا يقوم فقط على السيطرة العسكرية، بل على السيطرة على الوعي والتاريخ والرواية. ولذلك حاول إعادة بناء الرواية الفلسطينية داخل العقل الدولي، عبر استحضار التاريخ الفلسطيني بوصفه دليلاً على شرعية الوجود الفلسطيني فوق أرضه. وهنا يلتقي السياسي بالفلسفي؛ إذ تتحول الذاكرة إلى أداة مقاومة، ويتحول التاريخ إلى شكل من أشكال النضال.
لكن الإشكالية الكبرى تكمن في أن المنهج الأركيولوجي، رغم عمقه المعرفي والسياسي، قد لا يكون كافياً وحده في مواجهة استعمار استيطاني قائم على القوة المادية والعسكرية. فالرواية تحتاج أحياناً إلى قوة تحميها، كما أن الشرعية الدولية تحتاج إلى توازنات سياسية قادرة على فرضها داخل الواقع.
ومن هنا تعيش فتح اليوم جدلية معقدة بين مرحلتين:
مرحلة الثورة التي جسدها الشهيد ياسر عرفات بوصفه قائداً جمع بين البندقية وغصن الزيتون، ومرحلة الدولة التي يمثلها أبو مازن بوصفه رجل المؤسسات والشرعية الدولية والدبلوماسية السياسية.
لقد كان أبو عمار يؤمن بإدارة التناقض بين المقاومة والسياسة، بينما يؤمن أبو مازن بإدارة التناقض بين الممكن والواقعي داخل النظام الدولي. الأول كان يحاول فرض فلسطين على العالم عبر الثورة، والثاني يحاول تثبيت فلسطين داخل العالم عبر القانون والاعتراف الدولي.
غير أن السؤال الفلسفي والسياسي ما زال قائماً:
هل تستطيع الدبلوماسية وحدها أن تنتزع الحرية؟
وهل يكفي الاعتراف الدولي إذا بقي الاحتلال قائماً فوق الأرض؟
إن أزمة فتح المعاصرة ليست أزمة أشخاص فقط، بل أزمة انتقال من زمن الثورة إلى زمن الدولة، ومن الوعي الثوري إلى الوعي المؤسساتي. وهذا الانتقال أنتج حالة من التوتر داخل البنية الوطنية الفلسطينية بين منطق التحرير الكامل ومنطق بناء الدولة الممكنة.
وفي هذا السياق، تبدو الحاجة ملحة إلى إعادة إنتاج المشروع الوطني الفلسطيني بصورة تجمع بين الذاكرة الثورية والمنهج الأركيولوجي، بين المقاومة والشرعية الدولية، بين التاريخ والقانون، وبين قوة الحق وحق القوة. فالشعب الفلسطيني لا يستطيع أن يعيش خارج تاريخه، كما لا يستطيع أن ينتصر خارج الواقع الدولي المعاصر.
وفي الختام، يمكن القول إن الرئيس أبو مازن حاول أن يؤسس لفلسفة سياسية جديدة داخل حركة فتح، تقوم على الحفر في طبقات التاريخ والشرعية والقانون لإثبات الوجود الفلسطيني، بينما تبقى المهمة الكبرى أمام الحركة هي القدرة على الجمع بين روح الثورة وعقل الدولة، وبين الذاكرة الوطنية ومتطلبات المستقبل، حتى تبقى فلسطين فكرةً حيةً في التاريخ لا مجرد قضية تفاوضية مؤقتة.






