تقف حركة التحرير الوطني الفلسطيني فتح اليوم أمام لحظة تاريخية فارقة، تتقاطع فيها انتخابات المجالس المحلية مع التحضير لـ المؤتمر الثامن للحركة، في ظل واقع فلسطيني بالغ التعقيد، وعدوان إسرائيلي مفتوح، وانقسام داخلي أنهك المشروع الوطني، وتحولات إقليمية ودولية لا تنتظر المترددين. إنها لحظة اختبار حقيقي: إما أن تستعيد فتح دورها الطليعي كقائدة للمشروع الوطني، أو أن تترك الفراغ لبدائل لا تملك لا الرؤية ولا الشرعية التاريخية.
أولًا: قراءة واقعية شاملة للمشهد الفلسطيني
لا يمكن لأي مشروع فتحاوي ناجح أن ينطلق دون تشخيص صريح للواقع. فالمشهد الفلسطيني اليوم يتسم بـ:
• احتلال استيطاني إحلالي يسرّع من تهويد القدس، ويفكك الجغرافيا الفلسطينية، ويقوّض أي أفق سياسي.
• حرب إبادة سياسية وعسكرية تستهدف الوجود الفلسطيني، خصوصًا في غزة، وتمتد آثارها إلى الضفة والقدس والداخل والشتات.
• انقسام فلسطيني مدمر أضعف المؤسسات، وبدد الثقة الشعبية، وأفقد النظام السياسي قدرته على الفعل.
• تآكل الثقة بين المواطن والسلطة نتيجة أخطاء تراكمية في الأداء، وغياب العدالة الاجتماعية، وضعف المشاركة.
• تحولات إقليمية ودولية تفرض إعادة تموضع فلسطيني ذكي، لا يقوم على رد الفعل بل على المبادرة.
في هذا السياق، لا يُطلب من فتح إدارة أزمة، بل قيادة تحوّل وطني شامل.
ثانيًا: الانتخابات المحلية… بوابة استعادة الثقة لا مجرد استحقاق إداري
الانتخابات المحلية ليست معركة خدمات فحسب، بل استفتاء شعبي على مصداقية فتح. النجاح فيها يتطلب:
1. اختيار مرشحين على أساس الكفاءة والنزاهة والتجذر المجتمعي، لا على أساس المحاصصة أو الولاءات التنظيمية الضيقة.
2. فتح الأبواب أمام الشباب والمرأة بوصفهم قوة التغيير الحقيقية، لا ديكورًا انتخابيًا.
3. خطاب انتخابي صادق يعترف بالأخطاء، ويقدم حلولًا واقعية، ويربط المحلي بالوطني.
4. وحدة فتحاوية صلبة تمنع التنافس الداخلي العبثي الذي أضعف الحركة في محطات سابقة.
5. برنامج خدماتي مقاوم يربط تحسين حياة الناس بالصمود في وجه الاحتلال، لا بالانعزال عن القضية الكبرى.
ثالثًا: المؤتمر الثامن… تجديد لا تكرار
المؤتمر الثامن ليس مناسبة تنظيمية عادية، بل فرصة تاريخية لإعادة تأسيس فتح على أسس العصر دون التفريط بالثوابت. المطلوب:
• مراجعة نقدية شجاعة لمسيرة السلطة والحركة، بعيدًا عن التبرير أو التخوين.
• تجديد القيادة عبر ضخ دماء جديدة تجمع بين الخبرة والتجذر النضالي والقدرة على الفعل السياسي.
• إعادة تعريف العلاقة بين فتح والسلطة بحيث تبقى فتح حركة تحرر وطني لا حزب سلطة.
• إقرار برنامج سياسي واضح يعيد الاعتبار للمقاومة الشعبية الشاملة، والدبلوماسية الهجومية، والقانون الدولي، وملاحقة الاحتلال في كل الساحات.
• تعزيز البعد الوحدوي عبر استراتيجية جدية لإنهاء الانقسام واستعادة وحدة النظام السياسي.
رابعًا: فتح والدولة الفلسطينية… من إدارة الواقع إلى صناعة المستقبل
إن حلم الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشريف لن يتحقق بالشعارات ولا بالانتظار. المطلوب فتحاويًا اليوم:
• التمسك بالثوابت الوطنية دون مواربة: القدس عاصمة أبدية، حق العودة، إنهاء الاحتلال، دولة كاملة السيادة.
• إعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية باعتبارها الممثل الشرعي والوحيد لشعبنا، على أسس ديمقراطية جامعة.
• تدويل الصراع بجرأة ونقل القضية من مربع التفاوض العبثي إلى مربع المحاسبة الدولية.
• الانحياز الكامل لنبض الشارع الفلسطيني والدفاع عن كرامته وحقوقه الاجتماعية والاقتصادية.
• تحويل فتح إلى نموذج أخلاقي وسياسي في النزاهة، والانضباط، والتضحية، والخدمة العامة.
خامسًا: الرسالة إلى الكادر والقاعدة الفتحاوية
يا أبناء فتح، إن الحركة التي فجّرت الثورة، وقادت المشروع الوطني، وقدّمت الشهداء والأسرى، لا يجوز أن تُختزل في مقاعد أو مناصب. فتح تنتصر حين تعود إلى الناس، إلى المخيم والقرية والمدينة، إلى القدس وغزة والشتات، حين تكون صوت المقهورين ودرع الحلم الفلسطيني.
إن النجاح في الانتخابات المحلية، والخروج بمؤتمر ثامن تجديدي، ليس غاية بحد ذاته، بل محطة على طريق طويل نحو الدولة الفلسطينية المستقلة، دولة الحرية والكرامة والعدالة، وعاصمتها القدس الشريف.
إما فتح كما أرادها الشهداء… أو فراغ يملؤه الآخرون







