جاري التحميل...

حركه فتح إلى أين؟ (صرخه من داخل فتح قبل ان يصبح الصمت هو النهايه )

بقلم : م.محمد علي العايدي

ليس هذا السؤال ترفاً سياسياً، ولا هو محاولة للنيل من تاريخ حركة فتح أو من نضالات أجيالها. إنه سؤال يفرض نفسه اليوم بقوة: فتح إلى أين؟

فالحركات الكبيرة لا تنتهي في يوم واحد، ولا تسقط دائماً بضربة واحدة. أحياناً يبدأ التراجع من الداخل، من حالة الجمود، ومن غياب الفعل التنظيمي، ومن اتساع المسافة بين القيادة والقواعد والجماهير.

وهنا تبرز أسئلة لا يجوز تأجيلها:

أين النشاط التنظيمي؟
أين اجتماعات الأطر التنظيمية؟
أين التواصل الحقيقي مع القواعد؟
أين الحضور بين الجماهير؟
أين التحضير الجاد للاستحقاقات الانتخابية القادمة؟
وهل يمكن اختزال العمل التنظيمي في تجمعات ومناسبات انتخابية متفرقة؟

فتح التي عرفناها لم تكن مجرد اسم في المشهد السياسي، بل كانت تنظيماً حياً، حاضراً في الشارع، وفي الجامعات والنقابات والمخيمات والقرى والمدن، وبين الناس وفي تفاصيل حياتهم اليومية.

أما أن يبقى التنظيم في حالة انتظار، بينما تتغير الأدوات السياسية والاجتماعية من حوله، فهذه مسألة تستحق وقفة جادة ومسؤولة.

إن التحضير لأي انتخابات لا يبدأ يوم فتح صناديق الاقتراع، ولا يبدأ عند تشكيل القوائم. يبدأ قبل ذلك بكثير: بإعادة بناء التنظيم، والاستماع إلى القواعد، وتجديد الأطر، ومعرفة نبض الشارع، وإعداد الكوادر، وفتح النقاش الداخلي حول البرنامج والأسماء والآليات.

فتح بحاجة إلى أن تسأل نفسها بصدق: هل ما زالت تعمل بالطريقة التي تتناسب مع حجم التحديات التي تواجهها؟

هذه ليست دعوة إلى جلد الذات، وإنما إلى مراجعة حقيقية.

فالخطر الأكبر ليس في النقد، وإنما في أن يصبح النقد ممنوعاً، وأن يتحول الصمت إلى ثقافة، وأن يُفسَّر السؤال على أنه خروج، والمطالبة بالإصلاح على أنها خصومة.

هناك في فتح كوادر وأعضاء وأجيال حملوا اسمها بإخلاص، ودفعوا من أعمارهم وسمعتهم وطاقاتهم ثمناً لمواقفهم. هؤلاء يستحقون أن يسمعوا إجابات واضحة عن مستقبل تنظيمهم، وعن موقعه ودوره وأدواته وآليات تجديده.

فتح لا تحتاج إلى مزيد من الشعارات بقدر ما تحتاج إلى فعل تنظيمي حقيقي.

تحتاج إلى اجتماعات منتظمة، وإلى مؤسسات تعمل، وإلى حوار داخلي مسؤول، وإلى استعادة الصلة بالجمهور، وإلى إعطاء الكادر دوره، وإلى تجديد الدماء، وإلى إعداد جيل جديد يستطيع حمل المسؤولية.

والأخطر من كل ذلك أن يستمر الجمود بينما تتغير البيئة السياسية والاجتماعية من حولنا بسرعة.

فالحركات لا تحافظ على تاريخها بالتغني بتاريخها، وإنما بالحفاظ على قدرتها على التجدد والاستجابة للواقع.

ومن هنا فإن السؤال «فتح إلى أين؟» ليس سؤالاً ضد فتح، بل هو سؤال عن فتح التي نريدها، وعن قدرتها على البقاء فاعلة ومؤثرة، وعن ضرورة معالجة مواطن الضعف قبل أن تتحول إلى أزمات يصعب علاجها.

إن الصمت في هذه المرحلة لا ينبغي أن يكون بديلاً عن الحوار، والجمود لا ينبغي أن يصبح بديلاً عن التنظيم، والمناسبات لا ينبغي أن تحل محل العمل اليومي.

المطلوب ليس احتفالاً جديداً بفتح، وإنما إعادة الحياة إلى مؤسساتها وأطرها التنظيمية وعلاقتها بالناس.

هذه صرخة من أجل مراجعة جادة ومسؤولة:

تحركوا قبل أن يصبح الجمود واقعاً دائماً.
افتحوا الأطر أمام القواعد.
اسمعوا أصوات الكوادر.
راجعوا الأداء.
استعيدوا التواصل مع الجماهير.
واستعدوا للاستحقاقات القادمة بعمل تنظيمي حقيقي، لا بردود أفعال موسمية.

فتاريخ فتح كبير، لكن التاريخ وحده لا يكفي لصناعة المستقبل.

والسؤال الذي يجب أن يبقى مفتوحاً أمام الجميع هو:

هل نستطيع أن نجدد فتح، ونستعيد حيويتها التنظيمية، ونمنح أجيالها الجديدة دورها، قبل أن يتحول الجمود إلى ازمه وجود؟.