لم يعد السؤال اليوم إن كانت حماس ستشهد انشقاقا، فالأمر قد حُسم داخل أروقتها بين تيارين كبيرين، إنما أصبح كيف سيُدار هذا “الانشقاق”، فالتجربة تقول إن الإسلاميين حين ينقسمون لا ينهارون مثل بقية التنظيمات، بل يعيدون إنتاج أنفسهم بوجه جديد ولهجة مختلفة، بينما تبقى الفكرة ذاتها ثابتة في العمق، لأنهم -وفقا لمصادر داخلية- قرروا أن الانشقاق لن يكون إعلان وفاة، بل عملية تكاثر سياسي محسوبة وإعادة ترتيب أوراق، حتى تم اتخاذ القرار بإعادة إحياء صيغة “حزب الخلاص” أو إنشاء أطر حزبية جديدة تبقى جميعها تحت مظلة الحركة الأم.
فكرة “حزب الخلاص” ليست جديدة بالكامل، في تسعينات القرن الماضي طُرحت صيغ تنظيمية مشابهة هدفت إلى الالتفاف على الضغوط السياسية والأمنية عبر واجهات حزبية أقل صدامية مع السلطة الفلسطينية آنذاك، بينما تبقى المرجعية الفكرية والتنظيمية واحدة.
يومها فرح قادة السلطة الفلسطينية بينما طار قادة إسرائيل سعادة بالانشقاق داخل حماس، لكن سرعان ما اكتشفوا أن تشكيل كيان سياسي يحمل اسم حزب الخلاص كان مجرد واجهة مدنية ببرنامج سياسي مختلف في الشكل، لا في الجوهر، لأن الهدف لم يكن الانفصال، بل توزيع الأدوار.
اليوم، ومع التحولات الإقليمية بعد أكتوبر، والضغوط الدولية المتزايدة، والانقسام الداخلي الذي وصل حد التشهير الإعلامي المتبادل، عادت الفكرة بقوة، لأن الخلاف لم يعد مجرد تباين في الأساليب، بل صراع رؤى بين تيار يُعرف بـ”الصقور” المرتبط ميدانيا بـ”جماعة جباليا”، وتيار أكثر براغماتية يُنسب إلى قيادة الخارج وعلى رأسها خالد مشعل.
والحقيقة، وكما هو معلوم، فإن الخلافات لم تعد همسا داخليا، فالاتهامات المتبادلة، التسريبات، والبيانات غير المباشرة، كلها كشفت عمق الشرخ، فتيار الصقور يرى أن أي مرونة سياسية تُقرأ ضعفا، وأن الحفاظ على الهوية الصلبة أولى من المناورات. في المقابل، يرى البراغماتيون أن استمرار النهج ذاته في ظل المتغيرات الحالية قد يكلف الحركة وجودها السياسي، وأن توزيع الأدوار بات ضرورة لا ترفا وهي فكرة عضو المكتب السياسي البارز والمخضرم في الحركة موسى أبو مرزوق، الذي يجد حلا لأي خلاف مهما كان ضمن عقليته المصممة على وحدة الحركة خصوصا وأنه أول رئيس مكتب سياسي لها ولا يريد أن يرى ما بناه خلال 38 عاما ينهار فجأة.
هنا برزت فكرة “الحزب الرديف”، بحيث من يرى أن مسار الحركة لا يعجبه، يمكنه إنشاء حزب جديد ببرنامج سياسي مختلف في الخطاب، لكن دون القطيعة الفكرية أو التنظيمية، وتبقى الأخوة قائمة، والأيديولوجيا واحدة، لكن المسارات متعددة، هكذا تتحول الخلافات من صراع صفري إلى “تكاثر تنظيمي” وهو بالضبط ما تشتهر به التنظيمات الإسلامية من القاعدة الى الاخوان المسلمين.
نعم، إن الإسلاميين تاريخيا يتعاملون مع الانشقاق كمشروع تكاثر، لا كمؤشر انهيار، وأن الفكرة العقائدية قابلة للنسخ، بحيث يمكن إنتاج حزب سياسي بواجهة مدنية، وآخر بخطاب مقاوم صلب، وثالث بخط اجتماعي دعوي، بينما تبقى المرجعية واحدة وهي “حماس”.
بهذه الطريقة، يتم امتصاص الغضب الداخلي، واحتواء الطموحات الشخصية، وتفادي الانفجار الكبير، فالمعادلة المطروحة حاليا داخل أروقة الحركة بسيطة: “من لا تعجبه حماس بصيغتها الحالية، فليؤسس حزبا جديدا… لكن تحت المظلة”، فلا يتم الخروج عن الفكرة، بل اختلاف في الأدوات، لن يكون هناك خصومة وجودية، بل تعددية داخل البيت الواحد، بحيث يمنح هذا النموذج الحركة قدرة على المناورة أمام المجتمع الدولي، وأمام القاعدة الشعبية في آن واحد.
إن التحولات الإقليمية تفرض واقعا جديدا، الضغوط الدولية، إعادة رسم التحالفات، ومستقبل غزة السياسي، كلها عوامل تدفع باتجاه إعادة التموضع، وهو إنشاء أحزاب جديدة بحيث يمنح الحركة متنفسا سياسيا، ويخلق قنوات تفاوض متعددة، ويخفف من كلفة المواجهة المباشرة.
عودة “حزب الخلاص” أو أي صيغة مشابهة ليست مجرد فكرة عابرة، بل انعكاس لصراع داخلي يبحث عن مخرج لا يُسقط الفكرة الأم، إن تم الأمر باتفاق، فسنكون أمام مشهد “تعددية تحت سقف واحد”، وإن لم يتم، فقد نشهد مرحلة أكثر تعقيدا، ولكن الأمر شبه محسوم داخل أروقة الحركة وسنرى أحزاب وشخصيات جديدة تخرج من عباءة حماس خلال الفترة المقبلة.
الأمر بات واضحا، والقرار اتخذ، “الانشقاق” أصبح متفقا عليه، ولا “انشقاق خارج الترتيبات، ولا خروج عن السرب” ولذلك سيجري بسلاسة، وسيقدم كاجتهاد سياسي أو مراجعة مرحلية خلال الفترة المقبلة، وذلك بعدما تم استحضار خطاب “حرب الردة” بعدما كان تحديا حقيقيا لوحدة التنظيم في الفترة الماضية.
في عقل حماس والتنظيمات الإسلامية، الانقسام ليس نهاية الطريق… بل بداية فرع جديد من الشجرة ذاتها، والسؤال ليس هل تتكاثر الفروع؟ بل إلى أي مدى يستطيع الجذر تحمل العواصف القادمة؟






