جاري التحميل...

حسين الشيخ… حديثٌ أيقظ الأسئلة وأعاد ترتيب الانتظار!

لم تكن مقابلة الأخ حسين الشيخ على شاشة العربية امس من اللقاءات التي تكتفي فيها بمتابعة الإجابات وانتظار السؤال التالي. فقد وجدتني أتابع التفاصيل، وأصغي إلى ما بين الكلمات بقدر إصغائي إلى الكلمات نفسها. كان ثمة ما يستحق التوقف عنده. ليس فقط في الملفات التي طُرحت، بل في طريقة مقاربتها، وفي النبرة التي حملت المواقف، وفي الرسائل التي بدت أكبر من حدود مقابلة تلفزيونية.

أكثر ما أعجبني أن الأخ حسين الشيخ لم يتحدث بانفعال من يريد إقناع المشاهد، ولا بلغة من يبحث عن تصفيق عابر، بل بهدوء من يعرف موقعه، ويدرك ثقل اللحظة، ويعرف أن السياسة ليست سباقاً في رفع الأصوات، بل مسؤولية في وضوح المواقف وحسن قراءة التحولات. كان هادئاً دون برود، واضحاً دون استعراض، وواثقاً دون أن يتكئ على المبالغة. وهذه سمة لافتة في حديث سياسي يتناول ملفات بهذا الحجم.

لكن قيمة اللقاء لم تكن في أسلوب الحديث وحده. لقد وضع أمام المشاهد خريطة واسعة من الأسئلة التي تقف عندها فلسطين اليوم: غزة، ومجلس السلام، والعلاقة مع الإدارة الأميركية، والحكومة الإسرائيلية، والانتخابات، والإصلاح، والمصالحة الوطنية. ملفات متشابكة، لكل منها أثمانه واستحقاقاته، لكنها تلتقي جميعاً عند سؤال واحد: كيف نخرج بالمشروع الوطني من ضيق إدارة الأزمات إلى رحابة الفعل السياسي؟

وفي حديثه عن حماس، برزت مفارقة لا يمكن تجاهلها: إذا كان ممكناً البحث مع الأميركيين في قضايا السلاح وترتيبات المرحلة، فلماذا يبقى التفاهم مع الشريك الفلسطيني عصياً؟ هنا لا نتحدث عن خلاف على بند أو تفصيل، بل عن معنى الشراكة الوطنية، ووحدة المرجعية، ومن يمتلك القرار حين يتعلق الأمر بمصير شعب بأكمله. فلسطين لا تحتاج إلى مزيد من مراكز القرار، بل إلى قرار وطني واحد، ولا تحتاج إلى انتصارات فصائلية بقدر حاجتها إلى انتصار مشروعها الوطني.

ولعل أجمل ما في اللقاء أنه أعاد ترتيب بعض الأسئلة في ذهني، وأعادني إلى مقال «حلم على طاولة الرئيس»، الذي كتبت فيه عن مصالحة تنهي الانقسام، وانتخابات تجدد الشرعيات، وإصلاح يفتح نوافذ المؤسسات، وكفاءات وطنية تتقدم الصفوف، وقيادة تمتلك شجاعة الانتقال إلى مرحلة جديدة.

وأنا هنا لا أبحث عن تطابق بين مقال ومقابلة، ولا أريد أن أحمّل الكلمات ما لم تقله، لكنني وجدت في بعض الرسائل المطروحة ما يلامس تلك الاستحقاقات التي طال انتظارها. وهذا ما جعلني أتابع اللقاء بعين مختلفة. عين لا تكتفي بما قيل، بل تتطلع إلى ما يمكن أن يترتب عليه.

أما الأخ حسين الشيخ، فقد كان لافتاً أن يتحدث بهذه النبرة الهادئة عن قضايا بهذه الحساسية، مستنداً إلى موقعه في قيادة وطنية يقف على رأسها الرئيس أبو مازن، وإلى شعب لم تنل منه المحن، ولم تُطفئ فيه الإيمان بحقه ومشروعه. وللرئيس تقديره ومكانته في حماية الثوابت واستقلال القرار الوطني، وللقيادة مسؤولية تاريخية في أن تجعل من هذه اللحظة مدخلاً لتجديد الحياة السياسية والمؤسسية.

لا أعتقد أن المطلوب اليوم مزيداً من الكلام عن ضرورة التغيير، فالجميع يعرف حجم ما تراكم، وحجم ما ينتظر المعالجة. المطلوب أن نرى ترجمة سياسية شجاعة، وأن نلمس إرادة لا تتردد أمام الاستحقاقات، وأن ندرك أن تجديد الحياة الوطنية ليس ترفاً ولا مجاملة لأحد، بل ضرورة تفرضها فلسطين وشعبها.

خرجت من اللقاء بانطباع إيجابي وبأسئلة أكبر من تلك التي دخلت بها، وبإعجاب بطريقة إدارة الحديث ومضمونه. وأظن أن الأيام المقبلة تستحق أن نتابعها باهتمام. فربما كانت بعض الإجابات التي ننتظرها قد بدأت تظهر، ولم يبقَ إلا أن نرى ما إذا كانت ستجد طريقها إلى القرار.

كل التقدير للأخ حسين الشيخ على هذا اللقاء.

أما طاولة الرئيس التي استضافت ذلك الحلم، فقد آن الأوان أن نرى حولها ما هو أبعد من الأمنيات: قرارات تليق بفلسطين، وبشعب لم يعد يطلب المستحيل، بل ينتظر أن يصبح الممكن واقعاً.