حصن بكين الرقمي..استقلال الصين بذكائها الاصطناعي عن الهيمنة الأمريكية

السياسي -متابعات

تتسارع خُطى بكين نحو صياغة واقع تكنولوجي جديد يعيد رسم خارطة القوى العالمية، حيث كشفت التطورات الأخيرة عن توجه صيني حاسم نحو الاستقلال التكنولوجي الكامل بعيداً عن الهيمنة الأمريكية.

ففي خطوة مفاجئة أربكت حسابات وادي السيليكون، اتخذ مختبر الذكاء الاصطناعي الصيني الصاعد “ديب سيك” (DeepSeek) قراراً استراتيجياً بمنح أولوية الوصول إلى نموذجه الرائد الجديد لشركة “هواوي” وشركاء محليين آخرين، وحرمان كبار صناع الرقائق الأمريكيين من الاطلاع المبكر عليه، مثل “إنفيديا” و(AMD).

وجاء ذلك في خطوة تُقرأ على نطاق واسع باعتبارها مؤشراً واضحاً على صعود “القومية التقنية” الصينية، وسعي بكين إلى بناء منظومة تكنولوجية مستقلة وربما مغلقة عن الغرب.

تحوّل غير مسبوق في قواعد اللعبة
يمثل القرار خروجاً لافتاً عن الممارسات التقليدية في صناعة الذكاء الاصطناعي، إذ اعتادت الشركات المطورة للنماذج الكبرى مشاركة نسخ مبكرة من تقنياتها مع مصنّعي الشرائح مثل Nvidia وAMD بهدف تحسين الأداء على العتاد العالمي واسع الاستخدام.

لكن مصادر مطلعة كشفت أن المختبر الصيني اختار هذه المرة حجب النموذج الجديد المتوقع إطلاقه مع تحديث V4، ومنح أفضلية للشركاء المحليين، في خطوة يرى خبراء أنها تحمل بعداً سياسياً واستراتيجياً يتجاوز الاعتبارات التقنية.

ويقول محللون إن أدوات البرمجة الجديدة المدعومة بالذكاء الاصطناعي قد تقلل من أثر هذه الخطوة على الشركات الأمريكية، لكن الرسالة السياسية تظل واضحة: “الصين لم تعد تكتفي بالمنافسة، بل تسعى لإعادة تشكيل قواعد النظام التكنولوجي العالمي”.

وتعتبر بكين الذكاء الاصطناعي قطاعاً استراتيجياً للأمن القومي، إذ دعا الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى بناء منظومة “مستقلة وقابلة للسيطرة” تشمل كامل سلسلة التكنولوجيا من الرقائق إلى البرمجيات والنماذج.

وتشير تقديرات إلى أن الصين تستهدف تحقيق أكثر من 70% من الاكتفاء الذاتي في سلسلة أشباه الموصلات بحلول 2028، عبر شبكة تضم آلاف الشركات المحلية بقيادة هواوي.

ذراع الدولة التقنية

لم يعد مختبر “DeepSeek”، الذي تأسس قبل أكثر من عامين كذراع لشركة “High-Flyer Capital Management”، مجرد شركة ناشئة متخصصة في خوارزميات التداول عالي التردد، بل تحول إلى رأس حربة في صراع القومية التقنية، وأصبح أداة استراتيجية في يد الدولة لمواجهة الضغوط والقيود التي تفرضها واشنطن.

وتشير الأرقام إلى أن “DeepSeek” حقق ما كان يُعتقد أنه مستحيل في ظل العقوبات؛ ففي 20 يناير (كانون الثاني) 2025، أطلق المختبر نموذج “R1” الذي أحدث زلزالاً في الأسواق العالمية، مما أدى إلى خسارة شركة “إنفيديا” لأكثر من 600 مليار دولار من قيمتها السوقية في يوم واحد.

هذا النجاح لم يكن محض صدفة، بل هو نتاج استثمارات ضخمة بدأت منذ عام 2015، حيث انتقلت الشركة الأم من امتلاك وحدة معالجة رسوميات واحدة (1 GPU) إلى امتلاك أكثر من 10,000 شريحة من طراز (Nvidia A100) بحلول منتصف عام 2022، بتكلفة تجاوزت 180 مليون دولار.

ويرى خبراء أن نجاح الصين في بناء نظامها المغلق يعتمد على ركيزتين: منع تهريب الرقائق الأمريكية على نطاق واسع، ونجاح ثنائي “هواوي وSMIC” في تقديم بديل حقيقي لثنائي “إنفيديا وTSMC”.

وبحسب تقديرات “Epoch AI”، فإن أداء الذكاء الاصطناعي ينمو بمعدل 13.8 ضعفاً سنوياً، ما يعني أن التأخر في اللحاق بالركب ولو لعدة أشهر قد يعني سنوات من التراجع التقني.

اقتصاد الرقائق.. ساحة المعركة الحقيقية

ورغم التقدم الصيني، لا تزال الرقائق تمثل نقطة الضعف الأكبر، فالشركات الصينية قادرة على تطوير نماذج متقدمة، لكنها تعتمد بدرجة كبيرة على الرقائق الأجنبية لتدريبها وتشغيلها.

وتحاول هواوي سد هذه الفجوة عبر تطوير رقائق محلية، لكنها لا تزال أقل نضجاً من نظيراتها الأمريكية، سواء من حيث الأداء أو منظومات البرمجيات المصاحبة.

ومع ذلك، فإن التعاون الوثيق بين DeepSeek وهواوي يُنظر إليه كجزء من محاولة لبناء بديل متكامل للنظام التقني الغربي، فبينما تقود هواوي جهود تطوير رقائق (Ascend 910B) و(910C) كبدائل لرقائق إنفيديا، فإن تعاونها الوثيق مع (SMIC)، الشركة الصينية الوحيدة القادرة حالياً على إنتاج رقائق بدقة 7 نانومتر، يهدف إلى ضمان تحقيق اكتفاء ذاتي بنسبة تتجاوز 70% عبر سلسلة القيمة الكاملة لأشباه الموصلات بحلول عام 2028.

انقسام محتمل في عالم الذكاء الاصطناعي

ووفق خبراء، نحن نقف اليوم أمام ملامح “ستار حديدي تقني” يقسم العالم إلى قطبين لا يلتقيان:

– المعسكر الغربي: تقوده الولايات المتحدة، ويعتمد على تكامل أجهزة (Nvidia) وبرمجيات (OpenAI/Anthropic) مع سلاسل توريد عالمية مفتوحة (TSMC).

– المعسكر الشرقي: تقوده الصين، ويقوم على مفهوم “السيادة الرقمية”، حيث يتم بناء “مكدس تكنولوجي” (Tech Stack) صيني خالص يضم رقائق هواوي، ومنصات (CANN) البرمجية البديلة لـ (CUDA)، ونماذج لغوية مثل (DeepSeek).

وتؤكد التقارير أن هذا الانقسام ليس تقنياً فحسب، بل هو “سيادي” بامتياز، فخلال اجتماع عُقد في فبراير (شباط) 2025، طمأن “رين تشنغ فاي”، مؤسس هواوي، الرئيس الصيني شي جين بينغ بأن الاختراقات الأخيرة خففت من آثار الضوابط التصديرية الأمريكية، مما يعزز الثقة في قدرة الصين على بناء نظام مغلق ومستقل.

سباق لا يمكن إيقافه

ورغم القيود الأمريكية، تشير التقارير إلى أن الصين تواصل تحقيق تقدم سريع في الذكاء الاصطناعي، مدعومة بتمويل حكومي ضخم، وقاعدة بيانات هائلة، ووفرة في الطاقة، إضافة إلى بيئة تنظيمية تحفّز التبني السريع للتقنيات.

ويحذر محللون غربيون من التقليل من شأن هذا التقدم، مؤكدين أن القيود التكنولوجية قد تبطئ الصين لكنها لن توقفها.

وحتى الآن، تشير كل المؤشرات إلى أن قرار DeepSeek الأخير قد يكون بداية مرحلة جديدة من “الحرب الباردة الرقمية” التي ستعيد رسم خريطة التكنولوجيا العالمية لسنوات قادمة.