حقوق الإنسان كمُرجعيّة للمواطنة: في جدليّة الكرامة والوعي والتاريخ.

بقلم: عماد خالد رحمة – برلين.

ليست المواطنةُ مجرّدَ رابطةٍ قانونيةٍ بين الفرد والدولة، ولا بطاقةَ تعريفٍ تُمنحها السلطةُ لمن يقيم داخل حدودها السياسية، بل هي ـ في جوهرها الفلسفي ـ اعترافٌ متبادلٌ بالكرامة الإنسانية، وإقرارٌ بأن الإنسان قيمةٌ في ذاته، لا وسيلةٌ في خدمة الجماعة أو الدولة أو العقيدة أو السوق. ومن هنا، فإنّ الحديث عن المواطنة لا ينفصل عن الحديث عن حقوق الإنسان، لأن المواطنة الحقيقية تبدأ حين يُنظر إلى الإنسان بوصفه كائناً أخلاقياً حراً، لا تابعاً ولا رقماً في قطيعٍ سياسي أو ديني أو قومي.
لقد شكّل مفهومُ حقوق الإنسان إحدى أعظم الثورات الفكرية في التاريخ الإنساني، لأنه نقل الإنسان من موقع “الرعية” إلى موقع “المواطن”، ومن منطق الامتيازات الممنوحة إلى منطق الحقوق الأصيلة الملازمة للوجود الإنساني ذاته. فالمواطنة، في معناها الحديث، ليست منحةً من الحاكم، بل استحقاقٌ وجوديٌّ نابعٌ من إنسانية الإنسان.
غير أنّ السؤال الفلسفي الأكثر تعقيداً يبقى:
هل حقوق الإنسان نتاجُ الحداثة الغربية وحدها، أم أنها ثمرةُ تراكمٍ حضاريٍّ وإنسانيٍّ شاركت في بنائه أممٌ وثقافاتٌ وأديانٌ متعددة؟
هنا ينقسم الفكر إلى اتجاهين متقابلين:
الاتجاه الحداثي يرى أن مفهوم المواطنة الحديثة لم يتبلور إلا مع عصر التنوير الأوروبي، حين تحرر العقل من هيمنة اللاهوت والإقطاع، وظهرت مفاهيم السيادة الشعبية، والعقد الاجتماعي، والفرد الحر. وقد أسهم فلاسفة كبار، مثل جان جاك روسو ومونتسكيو وفولتير، في إعادة تعريف العلاقة بين الإنسان والسلطة، فصار المواطن شريكاً في صناعة الإرادة العامة لا مجرد خاضعٍ لها.
أما الاتجاه التقليدي، فيرى أن جذور المواطنة أقدم من الحداثة ذاتها، وأن القيم الكبرى التي تقوم عليها حقوق الإنسان ـ كالعدالة والكرامة والرحمة والمساواة ـ ليست اختراعاً غربياً خالصاً، بل هي ممتدةٌ في التراث الإنساني والديني منذ الأزمنة القديمة. فكل حضارةٍ حاولت، بدرجةٍ ما، أن تُجيب عن السؤال الأبدي: كيف يمكن للإنسان أن يعيش مع الإنسان دون أن يتحول العالم إلى غابةٍ للقوة؟
ومن هنا، فإنّ تاريخَ المواطنة ليس تاريخاً قانونياً فحسب، بل تاريخُ صراعٍ طويل بين إرادة الهيمنة وإرادة الاعتراف. إنه تاريخُ انتقال الإنسان من عبودية القوة إلى أخلاق الحق.
لقد أدركت الحضارات القديمة، رغم بدائيتها السياسية أحياناً، أن العمران لا يستقيم دون عدالة. ففي بلاد الرافدين ظهر قانون حمورابي بوصفه محاولةً مبكرة لتنظيم العلاقات الاجتماعية وفق مبدأ القانون، لا وفق نزوات السلطة. وفي مصر القديمة تجلّت فلسفة “ماعت” باعتبارها رمزاً للحق والتوازن والعدل الكوني، حيث لم يكن النظام الأخلاقي منفصلاً عن النظام السياسي.
أما في الشرق الآسيوي، فقد سعى كونفوشيوس إلى بناء مجتمعٍ يقوم على الانسجام الأخلاقي واحترام الإنسان، مؤمناً بأن الدولة العادلة تبدأ من الإنسان العادل. وكانت “قاعدته الذهبية” ـ ألا يفعل الإنسان بالآخر ما لا يرضاه لنفسه ـ نواةً أخلاقيةً سبقت كثيراً من التصورات الحديثة عن الكرامة الإنسانية.
وفي الفلسفة البوذية، ارتفعت قيمة الرحمة فوق العصبيات الطبقية، فغدت المساواة حالةً روحيةً قبل أن تكون مطلباً سياسياً. أما الزرادشتية، فقد ربطت خلاص الإنسان بالمعرفة، وعدّت الجهل شكلاً من أشكال الظلام الأخلاقي، وهي فكرةٌ ستتكرر لاحقاً في فلسفات التنوير الأوروبية.
وفي التراث الإسلامي، يظهر الإنسان بوصفه خليفةً في الأرض، مكرّماً بالعقل والمسؤولية. فالقرآن لا يؤسس فقط لعلاقة تعبّدية، بل لعلاقةٍ أخلاقيةٍ مع العالم، تقوم على العدل وصيانة الكرامة الإنسانية:
﴿ولقد كرّمنا بني آدم﴾.
وهذه الآية تختزل إحدى أعمق الرؤى الإنسانية في التاريخ؛ إذ تجعل الكرامة سابقةً على الانتماءات العرقية والدينية والسياسية.
غير أنّ المشكلة الكبرى لا تكمن في غياب المبادئ، بل في تحوّلها أحياناً إلى شعاراتٍ معزولةٍ عن الواقع. فكم من الأنظمة رفعت رايات الحرية وهي تمارس القمع، وتحدثت باسم الشعب وهي تصادر إرادته، وتغنّت بحقوق الإنسان بينما كانت تبني سجوناً أكثر مما تبني مدارس.
إنّ المواطنة لا تتحقق بالنصوص وحدها، بل بوجود وعيٍ مدنيٍّ يؤمن بأن الاختلاف ليس تهديداً، بل شرطاً من شروط الحياة الحرة. فالدولة التي تخاف من التعددية هي دولةٌ تخاف من الإنسان ذاته. والمواطنة التي تُبنى على الطائفة أو العِرق أو العقيدة تتحول إلى امتيازٍ قبليٍّ لا إلى حقٍّ إنساني.
لقد نبّه يورغن هابرماس إلى أهمية “الفضاء العمومي” بوصفه المجال الذي يتساوى فيه المواطنون عبر الحوار العقلاني، لا عبر القوة أو الامتيازات. فالمواطنة الحقيقية لا تنمو في بيئة الصمت، بل في مناخ الحرية النقدية والاعتراف المتبادل.
إنّ أزمة العالم المعاصر ليست أزمة قوانين فقط، بل أزمة ضميرٍ أخلاقيٍّ أيضاً. فالعالم الذي يمتلك أضخم مواثيق حقوق الإنسان ما يزال عاجزاً عن وقف الحروب والمجازر والعنصرية والاستغلال. وهذا يكشف التناقض العميق بين التقدم التقني والتأخر الإنساني؛ إذ يمكن للحضارة أن تبلغ ذروة الذكاء الصناعي، لكنها تبقى بدائيةً أخلاقياً إذا فقدت احترامها للإنسان.
وفي النهاية، تبقى المواطنة مشروعاً أخلاقياً مفتوحاً، لا حالةً مكتملة. إنها فعلُ بناءٍ دائم للإنسان الحر، القادر على تحويل الحق من نصٍّ جامد إلى ممارسةٍ يوميةٍ للعدالة والكرامة. فحين يصبح الإنسان غايةً لا وسيلة، وحين تُصان كرامته بمعزلٍ عن دينه أو قوميته أو لونه، عندها فقط يمكن القول إنّ المواطنة قد بلغت معناها الإنساني الحقيقي، وإنّ حقوق الإنسان لم تعد مجرد شعاراتٍ تُكتب في الدساتير، بل قيماً حيّةً تسكن ضمير العالم.