حقيقة الخديعة (دان براون)

بقلم: شادي عياد

في هذا الكوكب المختل حيث تُدار الحروب بالريموت كنترول وتصنع الأوبئة في مختبرات سرّية وتُفصّل الثورات حسب المقاس وتُكتب الحقيقة بقلم المخابرات تجلس فلسطين على الركام وتشرب قهوتها بكل هدوووء.
وأنا أكتب هذا النص حيث تتصاعد التحذيرات وتعلو طبول الحرب وتزدحم الشاشات بتوقعات المواجهة الكبرى بين أمريكا وإسرائيل وإيران، حتى بدا العالم وكأنه يستعد لنسخة مصغرة من يوم القيامة !؟!؟ فقلت في سري: يا لهذا الكون… كم يحب أن يخيف نفسه بنفسه.
العالم كلّه يرتجف حيث فيروس عطس فأُغلقت القارات ودبابة تعطّلت فاهتزّت الأسواق وصاروخ أخطأ الهدف فارتفعت أسعار القمح والبشر يركضون مذعورين كالدجاج المذبوح الله وكيلك إلا فلسطين.
فيروس كورونا جاء؟ أهل غزة قالوا: نحن لدينا حصار وقصف وفقر واحتلال….….. وعزة نفس وكرامة فأهلاً اهلا بك تفضل واجلس بالدور.
حرب روسيا وأوكرانيا اشتعلت؟ العالم ارتعد الطاقة ارتفعت القمح جنّ والنفط انتفخ أما فلسطين فقالت: نحن منذ سبعين سنة نأكل السياسة بلا خبز ونشرب الحصار بلا ماء فأين الجديد؟
صنعوا السابع من أكتوبر؟ العالم صُدم الإعلام أصيب بنوبة أخلاق مفاجئة والضمير الغربي استيقظ نصف دقيقة ثم عاد للنوم من السكر الشديد !!أما فلسطين التي لا تعشق الدم ولا تمجّد الموت ولا تؤمن بعبثية الحريق وتكره مخرجات ذلك اليوم اللعين فقالت بهدوء: نحن نُقتل يوميًا فلماذا هذا الاستغراب المتأخر؟
إيران وأمريكا؟ العالم يحبس أنفاسه والخبراء يرسمون سيناريوهات نهاية الكون والمحللون يوزعون خرائط الدمار وفلسطين تضحك: نحن نعيش نهاية الكون منذ ولادتنا يا اولاد ……. حسب وصف الرئيس ابو مازن
والضفة؟ الضفة لا تصرخ ولا تهتف ولا تحرق الإطارات . الضفة تمشي على حافة السكين بصمت وشموخ تعد الشهداء بلا ضجيج وتُحصي الجراح دون استعراض وتدفن أبناءها فجرًا وتفتح المدارس صباحًا وتزرع القمح بين حاجز وحاجز وتربّي أبناءها على أن الحياة فعل مقاومة طويل النفس بحثا عن الحياة لا الموت والضفة تعرف أن الصمت ليس ضعفًا وأن التماسك ليس استسلامًا وأن ضبط الغضب بطولة لا يفهمها إلا من عاشها، وهي تُقاتل بطريقة لا يراها الإعلام وتنتصر بأسلوب لا تفهمه الشاشات !! لأنه أسلوب حياة لا انتحار رغما انها ضد رغبة الجزيرة .
العالم يخاف من الحرب النووية ونحن نخاف فقط أن تنقطع الكهرباء عن الحاضنة. العالم يرتجف من شبح المجاعة ونحن نتعامل معها كجار قديم ثقيل الدم. العالم يقلق على الاستقرار ونحن لم نره أصلًا. العالم يبني ملاجئ نووية ونحن بنينا صدور أمهاتنا. العالم يخزّن الطعام ونحن نخزّن الصبر. العالم يخاف من الغد ونحن نصادقه كل صباح.
قرأوا رواية حقيقية الخديعة لدان براون فاكتشفوا أن العالم كذبة كبيرة أما نحن فلم نحتج رواية لنعرف ذلك فنحن نعيش داخل الخديعة منذ النكبة.
العالم يصنع الأزمات ونحن نصنع المعنى. العالم يتفاوض على الدم ونحن نقدّمه قربانًا للحياة. العالم يرتبك حين ينهار نظامه ونحن نرتبك فقط حين تتأخر جنازة شهيد قتل بحثا عن الحياة .
في هذا الكون المجنون حيث القتلة أبطال والضحايا متهمون والإبادة دفاع عن النفس وفلسطين جريمة وجود نقول للعالم بكل برود: اهدأ نحن هنا لا نخاف لم نخف يومًا ولن نخاف.
نحن شعب تمرّن على الكارثة حتى أتقنها وحفظ الألم حتى صار نشيده الوطني وأتقن الحرب حتى صار السلام عنده نظرية فكرية محل شك علمي .
فخافوا أنتم واتجفوا انتم واحسبوا حساباتكم النووية انتم وارسموا خرائط نهاية العالم لكم .
أما نحن في فلسطين فنعدّ الشهداء ونفتح المدارس ونزرع الزيتون ونكتب اسم فلسطين فوق كل هذا الركام ونبتسم.
ولمن يخيفون العالم بحرب أمريكا وإسرائيل وإيران نقول بكل هدوء فلسطيني بارد: طز طزين ثلاث بالثلاث.
لأن من عاش سبعين سنة تحت كل هذا الظلم والعدوان و و و القصف لا تخيفه نهاية العالم.