حماس بين محاور الإقليم ونداء الشرعية: لحظة الاختبار الحاسم للوحدة الفلسطينيه

بقلم :م.محمد علي العايدي

تمرّ حركة حركة حماس بواحدة من أكثر مراحلها تعقيداً منذ تأسيسها. فالمنطقة تعيش حالة استقطاب حاد، تتداخل فيها الحسابات العسكرية بالرهانات السياسية، وتضيق فيها مساحات المناورة أمام الفاعلين غير الدوليين. في هذا السياق، تجد الحركة نفسها أمام سؤال استراتيجي ثقيل: هل تنخرط بوضوح في محور تقوده إيران بما يحمله ذلك من تبعات إقليمية ودولية، أم تواصل الارتكاز إلى مظلة الدعم السياسي التي توفرها قطر، مع ما يفرضه ذلك من توازنات دقيقة؟

غير أن جوهر المأزق لا يكمن فقط في الاختيار بين عاصمتين، بل في طبيعة المشروع السياسي ذاته: هل تبقى الحركة أسيرة حسابات المحاور، أم تعيد تموضعها داخل البيت الفلسطيني باعتبار أن الشرعية الوطنية الجامعة هي الحاضنة الأكثر صلابة واستدامة؟

لقد أثبتت التجربة الفلسطينية خلال السنوات الماضية أن الارتهان لأي محور إقليمي، مهما كانت دوافعه، يضعف استقلال القرار الوطني ويُدخل القضية في حسابات لا تخدم دائماً أولويات الشعب الفلسطيني. فالمحاور تتحرك وفق مصالحها الاستراتيجية، بينما تبقى القضية الفلسطينية قضية تحرر وطني تحتاج إلى مظلة جامعة تتجاوز الاصطفافات. وفي لحظة إقليمية شديدة السيولة، يصبح الانحياز الكامل إلى أي محور مغامرة سياسية عالية الكلفة.

في المقابل، تبرز حقيقة لا يمكن تجاوزها: لا توجد شرعية سياسية فلسطينية خارج إطار النظام السياسي الذي تقوده منظمة التحرير الفلسطينية باعتبارها الممثل المعترف به دولياً للشعب الفلسطيني. إن التباينات العميقة بين حركة فتح وحماس لم تُلغِ هذه الحقيقة، بل زادتها وضوحاً. فالمجتمع الدولي، مهما اختلفت مواقفه، يتعامل مع مرجعية محددة، وأي قوة فلسطينية تبقى خارج هذه المظلة تجد نفسها معزولة أو محاصرة سياسياً.

لقد تقدمت حركة فتح والقيادة الفلسطينية بعدة مبادرات لإنهاء الانقسام وتحقيق الوحدة الوطنية، شملت الدعوة إلى تشكيل حكومات توافق، وإجراء انتخابات عامة، وإعادة توحيد المؤسسات. ورغم التعقيدات المتبادلة، فإن عدم الاستجابة الكاملة لهذه المبادرات أبقى الانقسام قائماً، وأضعف الموقف الفلسطيني في أكثر اللحظات حساسية. فالانقسام لم يعد مجرد خلاف تنظيمي؛ بل تحول إلى ثغرة استراتيجية ينفذ منها الخصوم لتكريس وقائع سياسية وأمنية جديدة.

إن المرحلة الحرجة التي تمر بها حماس اليوم قد تكون فرصة تاريخية لإعادة قراءة المشهد بعيداً عن منطق الغلبة أو حسابات النفوذ. فالعودة إلى “حضن الشرعية الفلسطينية” لا تعني ذوبان الهوية السياسية للحركة، بل تعني إعادة تعريف دورها ضمن إطار وطني جامع، يقوم على الشراكة السياسية والاحتكام إلى صندوق الاقتراع، لا إلى موازين القوة وحدها. الوحدة الوطنية ليست شعاراً عاطفياً، بل شرط بقاء في ظل التحولات الإقليمية المتسارعة.

كما أن الانخراط في مشروع وطني موحد يمنح الفلسطينيين قدرة أكبر على مواجهة التحديات الدولية، سواء في المسار القانوني أو الدبلوماسي أو الإنساني. العالم يتغير، والتحالفات تتبدل، لكن الصوت الفلسطيني الموحد يبقى العنصر الأكثر تأثيراً في كسب التعاطف والاعتراف والدعم.

إن السؤال الحقيقي أمام حماس ليس: مع أي محور نقف؟ بل: كيف نحمي القرار الوطني الفلسطيني من الارتهان لأي محور؟ وكيف نعيد بناء البيت الداخلي على قاعدة شراكة حقيقية؟ فالتاريخ لا يرحم اللحظات الضائعة، والقضية الفلسطينية أكبر من أن تختزل في اصطفاف إقليمي أو رهانات ظرفية.

قد تكون هذه اللحظة اختباراً قاسياً، لكنها أيضاً فرصة لإعادة تصويب البوصلة. فالخروج من المأزق لا يكون بتوسيع دائرة الاصطفاف، بل بتوسيع دائرة الوحدة. وفي زمن تتغير فيه خرائط المنطقة بسرعة، يبقى الثابت الوحيد القادر على حماية القضية هو الإجماع الوطني الفلسطيني