حماس ومعضلة المفاوضات!!

بقلم : علاء مطر

 

حينما أدرك الرئيس الراحل ياسر عرفات في مثل هذا الشهر من العام 1982 أن المعادلة في لبنان هي معادلة شطب وإبادة، وأن قرار الاستمرار في المقاومة ومجابهة إسرائيل هو انتحار، اتخذ قراره بالانحناء للريح باحثا عن حل مشرف، يحفظ فيه ما تبقى من قوات ومن شعب ومن مبانٍ وشوارع وقضية، غير أن الأمر بات مختلف في عام 2025 عند تيار الإسلام السياسي في غزة، وأصبحت المعاندة والمكابرة هي سمة الموسم، كي يقال عنهم “المفاوض العنيد الشرس” ليس أكثر، وليموت الشعب كله وتعود القضية إلى مائة عام الى الخلف.

الطبيعي بعد قرار إسرائيل استكمال احتلال ما تبقى من قطاع غزة أن يكون هناك ثلاث خطوط حمراء ينبغي ألا يتجاوزها المفاوض الذي يطلق على نفسة بـ”العنيد والشرس”، أولها تدمير مدينة غزة التاريخية كواحدة من أقدم المدن الفلسطينية، وعدم السماح بتحويلها إلى أطلال مثل رفح وبيت حانون في ظل عجز حماس نفسها عن الوقوف في وجه إسرائيل، وثانيها عدم السماح بتهجير سكان غزة وتحويلهم إلى نازحين حول العالم، وثالثا وقف الإبادة اليومية المستمرة في غزة.

وفي الوقت الذي يعيش فيه شعبنا لحظة شديدة الخطورة بل والأصعب على الاطلاق ونفاذ الخيارات، وأن الناس في غزة لا يحتملون ترف التفاوض أكثر، تضع قيادات حماس التي تسكن في فنادق الدوحة وإسطنبول لنفسها أولويات حمراء مختلفة مثل السلاح وبقاء التنظيم غير مكترثة بالجدية في المفاوضات ولا بالشعب وهمومه وتتعنت في مطالبها التي ترفضها اسرائيل والدول العربية والأوروبية.

لكن هذه أولويات حماس الواضحة ليست أكثر من أدوات في سياق المشروع التحرري الفلسطيني وفي سياق الوصول للهدف بإزالة الاحتلال، وحين يتحول السلاح سببا للاستيلاء على الأرض، أو تصبح حماس سببا وذريعة لطرد الشعب من أرضه يصبح الأمر بحاجة لحسابات مختلفة، فالسلاح “أيا كان” ليس أهم من الشعب، وحماس ليست أهم من الأرض، لأن الوسيلة اذا أصبحت أهم من الهدف فهذا جريمة بحد ذاته.

في هذا الأمر انهيار للمعايير وإنذار بدق ناقوس الخطر على أهالي غزة والقضية الفلسطينية برمتها، وهذا ما حصل عندما انفلت السلاح أبعد مما يجب، حين ظنت “نخبة حماس” أنه قدس الأقداس وفوق النقد واللجم والملاحظة، أما حماس كوسيلة فقد غامرت بكل الأصول الإستراتيجية للشعب الفلسطيني، فلا ينبغي أن تكون مقارنة بينها وبين بقاء الشعب، وهي من تسبب بمغامرة غير محسوبة بتهديد هذا البقاء عندما قامت بـ “غزوة السابع من أكتوبر”.

وفي حال كانت الخيارات بين بقاء حماس وبقاء الشعب، فإن التضحية بالشعب من أجل بقاء التنظيم جنون وتهور، وهذا ما لم يفعله أي شعب لكنه حصل منذ بداية الحرب، عندما لم تقرأ حماس طبيعة ما حدث ومآلات ما سيحدث بعد السابع من أكتوبر، واعتقدت الحركة بكل سذاجة أن هذه حرب ككل التصعيدات السابقة، وسينتهي الأمر كما كل النهايات السابقة، وتعود إلى ما قبل السادس من أكتوبر دون أن تدرك أن وجه التاريخ يتغير.. ولكن هذه المرة في غير صالحها بل باتجاه شطبها.

الصراحة هي أن إسرائيل صورت للعالم أن السابع من أكتوبر “هولوكوست”، وتمكنت من إقناع الكل بذلك، ما يعني أن إسرائيل ستسحق غزة باسم حماس وتحولها إلى ركام، ولن تقبل ببقاء الحركة ولا سلاحها لو امتدت الحرب لسنوات، وحتى لو أدى اقتلاع حماس إلى اقتلاع الشعب الفلسطيني في كل قطاع غزة.

لم تدرك الحركة ذلك، ولم تقدّر ردة الفعل الإسرائيلية، ولم تقرأ السياق العام للحرب ومآلاتها، وبقيت تفكر بذاتها واستمرارها تحت لافتة “نحن اليوم التالي”، وها هي إسرائيل باسم اسراها وباسم حماس وباسم السلاح تخطط لتدمير مدينة غزة وترحيل سكان محافظتي غزة والشمال الذين يتكدسون في مدينة غزة.

لا أظن ان حركة حماس لم تدرك بعد مآلات الحرب وما هو المطلوب منها، ومن الجهل ألا تدرك أن الإسرائيلي سيستمر بملاحقتها في الداخل والخارج بعد أن ينتهي من موضوع الأسرى، لذا تقتضي العقلانية السياسية ضمان صفقة تقبل فيها حماس خروجها من المشهد، بضمان وقف الحرب ووقف تدمير ما تبقى من غزة، ووقف التهجير وضمان عدم ملاحقتها، أما السلاح القليل المتبقي فهو أسهل القضايا.

العقلانية تقول بأنه عندما يبقى الشعب الفلسطيني فإنه يعيد إنتاج كفاحه ضد الاحتلال بأدواته وبأحزابه الأكثر قدرة على ابتداع الوسائل التي تلائم مرحلته، لكن إذا تم ترحيل الشعب فلن يبقى شيء من هذا، فالسلاح هذه المرة ذهب أبعد مما يجب، ما يستوجب مراجعته، وحماس هذه المرة غامرت أبعد مما يجب، فهل يدرك ذلك المفاوض العنيد أم أننا سنكتب يوما ما بأنه كان هناك شعبا فلسطينيا في مدينة تسمى غزة؟