بقلم: عماد خالد رحمة – برلين
لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد طفرة تقنية تُضاف إلى منجزات العصر، بل أصبح قوة عابرة للحدود، تتداخل في تشكيل الوعي الإنساني، وإدارة الاقتصاد، وصناعة القرار، وتوجيه المؤسسات، بل وتمتد آثارها إلى صميم العدالة والحقوق والحريات. ومع اتساع نفوذ هذه التكنولوجيا، لم تعد المسألة مقتصرة على ما تستطيع الخوارزميات إنجازه، وإنما بات السؤال الأكثر إلحاحاً: من يضع حدود سلطتها؟ ومن يتحمل مسؤولية أخطائها؟ وكيف يمكن إخضاعها لمنظومة قانونية وأخلاقية لا تتخلف عن إيقاع تطورها؟
إن المعضلة الأساسية تكمن في اتساع المسافة بين سرعة الابتكار التكنولوجي وبطء الاستجابة التشريعية، فضلاً عن تباين المرجعيات القانونية والمؤسسية بين الدول. فالتكنولوجيا لا تعترف بالحدود الجغرافية، بينما لا تزال السلطات القضائية والتشريعية والتنفيذية تعمل، في كثير من الأحيان، ضمن أطر وطنية متباينة، تتفاوت في اختصاصاتها وقدراتها وأدواتها الرقابية. ومن هنا تبرز ضرورة ردم الهوة بين هذه السلطات، وإقامة جسور تعاون وتنسيق دولي تتيح بناء مرجعية مشتركة لحوكمة الذكاء الاصطناعي.
وليس المقصود بهذا التوجه إلغاء الخصوصيات القانونية للدول أو الانتقاص من استقلال سلطاتها، بل تجاوز حالة التجزؤ المؤسسي، وتطوير قواعد مرنة ومعايير دولية متوافقة، تسبق التشريع حين يكون ذلك ضرورياً، وتوفر له الأساس المعرفي والتقني والأخلاقي الذي يجعله أكثر قدرة على استيعاب التحولات المتسارعة.
أولاً: الهوة المؤسسية ومأزق التشريع المتأخر
إن تعدد السلطات القضائية والتشريعية، واختلاف مستويات التنسيق بينها، يفرضان تحدياً مضاعفاً أمام تنظيم الذكاء الاصطناعي. فالقاضي قد يجد نفسه أمام نزاع يتعلق بقرار اتخذته خوارزمية لا يستطيع الإحاطة بجميع آليات عملها، والمشرّع قد يصدر قانوناً يستند إلى معطيات تقنية تجاوزها الواقع قبل اكتمال إجراءات تطبيقه، فيما تتولى الشركات المطوّرة مسؤولية تصميم أنظمة تتجاوز آثارها نطاق الدولة التي نشأت فيها.
وهنا تظهر الحاجة إلى بناء منظومة حوكمة متعددة المستويات، تجمع المشرّعين والقضاة والباحثين والخبراء التقنيين ومؤسسات المجتمع المدني والقطاع الخاص، ضمن إطار تشاوري دائم، لا ينتظر وقوع الضرر كي يتحرك، وإنما يستشرف المخاطر قبل تحولها إلى أزمات قانونية واجتماعية.
فالعدالة في العصر الرقمي لا تتحقق بمجرد وجود النص القانوني، وإنما بقدرة المؤسسات على فهم الأدوات التي تنظمها، وامتلاك المعرفة اللازمة لمساءلة الجهات التي تطورها وتستخدمها.
ومن الضروري، في هذا السياق، ألا تتحول الفجوة المعرفية بين القاضي والتقني إلى ثغرة يستفيد منها المنتجون والمشغلون للأنظمة الذكية، أو إلى عائق يحول دون إنصاف المتضررين.
ثانياً: المعايير الدولية غير الملزمة بوصفها مرحلة تأسيسية
تكتسب فكرة تطوير معايير ومقاييس دولية غير ملزمة أهمية استثنائية؛ لأنها تتيح بناء قواعد مشتركة قبل الانتقال إلى التشريعات الوطنية الملزمة. ويُعرف هذا الاتجاه في الدراسات القانونية بمفهوم القانون المرن (Soft Law)، الذي يشمل المبادئ التوجيهية، ومدونات السلوك، والمعايير المهنية، وأطر التقييم، وآليات الاعتماد والتدقيق الطوعي.
وتكمن أهمية هذا النهج في مرونته وقدرته على مواكبة التحولات التقنية المتسارعة، دون الاضطرار إلى إعادة صياغة القوانين مع كل تطور جديد في نماذج الذكاء الاصطناعي وتطبيقاتها.
وفي هذا السياق، يقدم الباحثان كارلوس إغناسيو غوتيريز وغاري مارشانت، في دراستهما المنشورة عبر منصة منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية عام 2021، تصوراً مهماً لدور القانون المرن في حوكمة الذكاء الاصطناعي. ويريان أن الطبيعة المتغيرة لهذه التكنولوجيا تخلق فجوات تنظيمية تجعل المحافظة على تشريعات ثابتة وملائمة أمراً بالغ الصعوبة، وأن مرونة المعايير غير الملزمة تمنحها قدرة على الاستجابة والتحديث، وتتيح استخدامها تمهيداً للتشريعات أو مكملاً لها.
كما يؤكد الباحثان أن فعالية هذه المعايير لا تتحقق بمجرد صياغتها، بل تتطلب حوافز وآليات مؤسسية تشجع الجهات المعنية على تطبيقها والالتزام بها.
وهذا يفتح المجال أمام تطوير منظومة دولية تتضمن معايير واضحة لاختبار الأنظمة الذكية، وتقييم مستويات المخاطر، وحماية البيانات الشخصية، وضمان الشفافية، ومكافحة التحيز الخوارزمي، وتحديد المسؤولية عن الأضرار، وإلزام الشركات بالإفصاح عن طبيعة الأنظمة التي تطورها وحدود قدراتها.
ومن المهم هنا أن تشمل هذه المعايير قطاعات الأعمال كافة، ولا سيما الشركات التي تنتج النماذج والخوارزميات والمنصات الذكية، بحيث تصبح المسؤولية الأخلاقية والاجتماعية جزءاً من عملية التصميم والتطوير، لا مجرد التزام لاحق عند ظهور المشكلات.
ثالثاً: ماذا تقول المؤسسات والخبرات الدولية؟
لقد بدأت المؤسسات الدولية بالفعل في بناء أرضية مشتركة لهذا التوجه، وإن اختلفت أدواتها ومستويات الإلزام فيها.
١. منظمة اليونسكو: الإنسان وحقوقه في مركز الحوكمة
اعتمدت اليونسكو في 23 نوفمبر/تشرين الثاني 2021 توصيتها بشأن أخلاقيات الذكاء الاصطناعي، وهي إطار معياري دولي يستند إلى الكرامة الإنسانية وحقوق الإنسان والعدالة والشفافية والمساءلة.
وتشدد التوصية على ضرورة تطوير آليات حوكمة شاملة ومتعددة الأطراف، وتعزيز إمكانية تتبع الأنظمة الذكية وتدقيقها، وإيجاد وسائل فعالة لمعالجة الأضرار الناجمة عنها، إلى جانب تقوية قدرات المؤسسات القضائية في التعامل مع القضايا المرتبطة بالذكاء الاصطناعي.
وتؤكد هذه الرؤية أن التطور التقني لا ينبغي أن يتحول إلى ذريعة لتجاوز الحقوق الأساسية أو إضعاف استقلال القضاء.
٢. منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية: المرونة والتنسيق المؤسسي
تؤكد منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أهمية الجمع بين الضوابط القانونية الملزمة والأدوات التوجيهية المرنة.
وفي تقريرها آفاق الحكومة الرقمية 2026، تشير المنظمة إلى أن 30 دولة من أصل 36 دولة عضو لديها هيئات رقابية أو استشارية متخصصة في الذكاء الاصطناعي، وأن 83% من الدول الأعضاء تستخدم أدوات توجيهية غير ملزمة، في حين تعتمد 69% منها متطلبات رسمية ملزمة.
وتكشف هذه المؤشرات عن اتجاه نحو الجمع بين المسارين، بدلاً من الاكتفاء بالتشريع وحده أو ترك المجال للمبادرات الطوعية دون رقابة.
٣. المنظمة الدولية للتوحيد القياسي (ISO): المعايير جسور عابرة للحدود
تؤكد المنظمة الدولية للتوحيد القياسي، بالتعاون مع اللجنة الكهروتقنية الدولية، أن المعايير الدولية لا تحل محل التشريعات، وإنما توفر مرجعيات مشتركة تساعد على تنسيق الممارسات وتوحيد المتطلبات الفنية بين الدول.
وتبرز أهمية هذه المعايير في مجالات إدارة مخاطر الذكاء الاصطناعي، وجودة البيانات، والحوكمة المؤسسية، وأمن الأنظمة وموثوقيتها. ISO +1
٤. الباحثون في الحوكمة العالمية: من يملك القرار ومن يستفيد؟
وفي دراسة أكاديمية منشورة عام 2023 في دورية “المراجعة السنوية للقانون والعلوم الاجتماعية”، يناقش الباحثون مايكل فيل وكيرا ماتوس وروبرت غوروا تعدد أنماط حوكمة الذكاء الاصطناعي، بما يشمل المعايير الدولية، والاتفاقيات، والهيئات الأخلاقية، وتنظيم الصناعة والتشريعات الوطنية.
ويطرح الباحثون سؤالاً جوهرياً ينبغي ألا يغيب عن أي مشروع تنظيمي: من المستفيد من منظومة الحوكمة التي يجري بناؤها؟
وتكتسب هذه المسألة أهميتها من ضرورة ألا تنفرد الشركات الكبرى أو القوى الاقتصادية والتكنولوجية بتحديد قواعد اللعبة، بل أن تكون المصلحة العامة والحقوق الإنسانية حاضرتين في صياغة المعايير وتحديد أولوياتها.
رابعاً: من المبادئ النظرية إلى آليات التطبيق
إن تطوير معايير دولية غير ملزمة ينبغي ألا يبقى مشروعاً نظرياً أو وثيقة أخلاقية ذات قيمة رمزية، بل يتطلب تحويله إلى منظومة عملية قابلة للقياس والتقييم والمراجعة.
ويمكن أن يستند هذا المشروع إلى مجموعة من المسارات المتكاملة:
١- تأسيس مجلس دولي متعدد الاختصاصات: يضم ممثلين عن السلطات التشريعية والقضائية، والخبراء القانونيين والتقنيين، والمؤسسات الأكاديمية، وممثلي قطاعات الأعمال والمجتمع المدني.
٢- إعداد مدونات سلوك مهنية: تتضمن التزامات واضحة للشركات المطورة للذكاء الاصطناعي بشأن الشفافية، وحماية الخصوصية، وعدم التمييز، والإفصاح عن المخاطر المحتملة.
٣- اعتماد اختبارات مستقلة للأنظمة: تشمل فحص الخوارزميات، وجودة البيانات، ومصادر التحيز، ومستويات الأمان، ومدى قابلية الأنظمة للتدقيق والتفسير.
٤- تطوير مؤشرات دولية للمساءلة: تسمح بتحديد المسؤوليات بين مطوري الأنظمة ومشغليها والجهات التي تعتمد نتائجها، دون إعفاء أي طرف من مسؤوليته القانونية.
٥- إنشاء منصات للتعاون القضائي والتشريعي: تتيح تبادل الخبرات والأحكام والاجتهادات القضائية، وتساعد على بناء فهم مشترك للمسائل القانونية المستجدة.
٦- إشراك الجمهور والمجتمع المدني: حتى لا تنحصر عملية صياغة المعايير في الحكومات والشركات، بل تعكس مصالح الفئات التي تتأثر مباشرة بتطبيقات الذكاء الاصطناعي.
ومن المهم أيضاً أن تتضمن هذه المعايير آليات دورية للمراجعة والتحديث، وأن ترتبط بحوافز مؤسسية ومهنية، مثل شهادات المطابقة والتقييم المستقل، مع ضمان ألا تتحول الشهادات الطوعية إلى وسيلة شكلية لتسويق الثقة أو الالتفاف على المساءلة.
خامساً: حدود القانون المرن وضرورة الانتقال إلى التشريع
على الرغم من أهمية المعايير غير الملزمة، فإن التعويل عليها وحدها ينطوي على مخاطر لا يمكن تجاهلها. فالشركات قد تلتزم بالمبادئ الأخلاقية ما دامت لا تتعارض مع مصالحها التجارية، وقد تتحول مدونات السلوك إلى واجهات دعائية إذا غابت الرقابة المستقلة والشفافية والمحاسبة.
لذلك لا ينبغي النظر إلى القانون المرن باعتباره بديلاً عن القانون الملزم، وإنما باعتباره مرحلة استباقية تساعد على اختبار القواعد، واكتشاف الثغرات، وتحديد المخاطر، وبناء التوافق الدولي قبل تحويل المبادئ التي أثبتت جدواها إلى تشريعات وطنية واتفاقيات دولية.
وهنا تبرز أهمية التمييز بين نوعين من المسؤولية: مسؤولية أخلاقية ومهنية تستند إلى المعايير الطوعية، ومسؤولية قانونية تستند إلى التشريعات الملزمة، ولا يجوز أن تحل الأولى محل الثانية، خصوصاً في المجالات التي تمس حياة الإنسان وحقوقه وحرياته.
كما ينبغي أن تظل القرارات القضائية خاضعة للتقدير الإنساني المستقل، وألا تتحول مخرجات الأنظمة الذكية إلى أحكام نهائية لا تقبل المراجعة أو الاعتراض.
_ التكنولوجيا تتقدم، لكن العدالة يجب ألا تتخلف
إن التحدي الحقيقي الذي يفرضه الذكاء الاصطناعي ليس في قدرته على محاكاة العقل البشري أو تجاوز بعض وظائفه، وإنما في قدرتنا نحن على بناء منظومة قانونية وأخلاقية تضمن ألا تنفصل القوة التقنية عن المسؤولية الإنسانية.
إن ردم الهوة بين السلطات القضائية والتشريعية، وتوحيد الجهود الدولية، وتطوير معايير غير ملزمة تشارك في صياغتها المؤسسات العامة والخاصة والخبرات المستقلة، يمثل مساراً ضرورياً لتأسيس حوكمة تستبق المخاطر بدلاً من ملاحقتها.
لكن هذا المسار لن يكتسب شرعيته بمجرد توافق الشركات والحكومات على مجموعة من المبادئ، بل بمدى قدرته على حماية الإنسان من التمييز والاستغلال وانتهاك الخصوصية، وضمان حقه في المعرفة والاعتراض والإنصاف.
فالذكاء الاصطناعي، مهما بلغت قدراته، يظل أداة من صنع الإنسان، ولا يجوز أن يتحول إلى سلطة فوق القانون، أو مرجعية تنازع الإنسان حقه في تقرير مصيره.
إننا لا نحتاج إلى تشريعات تلاحق التكنولوجيا بعد أن تتجاوزها، ولا إلى معايير أخلاقية تزين واجهات الشركات؛ بل نحتاج إلى عقد حوكمة دولي جديد، تتقدم فيه المعرفة على التشريع، وتواكب فيه الرقابة الابتكار، وتظل فيه كرامة الإنسان هي المعيار الأعلى لكل تقدم.