جاري التحميل...

حين اشتعلت الجزائر بالنار… اشتعلت قلوب العرب معها

بن معمر الحاج عيسى

لم تكن الحرائق التي اجتاحت عددًا من المناطق الجزائرية مجرد كارثة عابرة، ولم يكن الرماد الذي خلّفته النيران مجرد بقايا أشجار وبيوت، بل كانت فاجعة إنسانية هزّت القلوب وكشفت في الوقت ذاته معدن الشعوب حين تشتد المحن، فمن الجزائر إلى مصر والعراق والمغرب وسوريا والسودان، ارتفعت أصوات عربية تحمل التعازي والمواساة والدعاء، لتؤكد أن الجزائر ليست وحدها في مواجهة هذا الوجع، وأن ما يصيبها من ألم يجد صداه في قلوب الملايين من أبناء الأمة العربية. وبينما كانت النيران تلتهم مساحات من الغابات وتقترب من البيوت، كان الجزائريون في الميدان يواجهون الخطر بشجاعة لافتة؛ رجال الحماية المدنية والجيش، والمتطوعون والمواطنون، كل واحد منهم تحوّل إلى جندي في معركة الحياة، فمنهم من حمل المصابين، ومنهم من ساعد العائلات على الابتعاد عن مناطق الخطر، ومنهم من وفر الطعام والماء، ومنهم من دخل إلى قلب النار لإنقاذ إنسان أو حماية بيت أو إنقاذ ما يمكن إنقاذه. وفي مصر تحديدًا، لم يكن التضامن وليد اللحظة، فالعلاقة بين الشعبين الجزائري والمصري صنعتها صفحات طويلة من التاريخ المشترك، من ثورة التحرير الجزائرية التي وجدت في القاهرة صوتًا وسندًا، إلى مواقف التضامن المتبادلة في أصعب اللحظات، وصولًا إلى حرب أكتوبر وما حملته من صور للوقوف العربي إلى جانب بعضه البعض، ولذلك لم ينظر المصريون إلى حرائق الجزائر باعتبارها مأساة تقع في بلد بعيد، بل رأوا فيها وجعًا يطرق أبوابهم هم أيضًا، وكأن كل بيت جزائري فقد عزيزًا أو مأوى فقد جزءًا من قلب عربي مشترك. وفي العراق، امتزج الحزن على الضحايا بالقلق على الغابات والطبيعة، لأن الغابة ليست مجرد أشجار، وإنما ذاكرة للأرض ومصدر للحياة وملاذ للأجيال، وحين تمتد إليها النيران فإنها لا تحرق الأغصان وحدها، بل تحرق صفحات من تاريخ المكان وتترك وراءها فراغًا لا تعوضه الكلمات بسهولة. ومن المغرب جاءت مشاعر التضامن والدعاء للجزائر وأهلها، مع التضرع إلى الله أن يرحم من رحلوا ويشفي المصابين ويحمي فرق الإطفاء والإنقاذ، فيما حملت أصوات من سوريا والسودان صورًا شعرية تختصر حجم الألم، فالنار التي شردت العائلات وأرعبت الأطفال وأحرقت الأشجار والبيوت لم تعد مجرد لهب في الغابات، وإنما أصبحت جرحًا في الذاكرة العربية. لكن الجزائر التي عرفها التاريخ لا تُقاس فقط بحجم ما تخسره في لحظة، وإنما بقدرتها على النهوض بعدها؛ فهذه الأرض التي واجهت الاستعمار والمقاصل، وقدمت قوافل من الشهداء من أجل الحرية، تعرف جيدًا معنى الصمود، ولذلك فإن النيران مهما كانت قسوتها لن تستطيع اقتلاع جذور وطن ضاربة في عمق التاريخ. قد تحترق شجرة معمرة، وقد يتحول بيت إلى رماد، وقد تظل في قلب أم ثكلى صورة ابنها الذي غاب، وقد تحتاج الغابات إلى سنوات طويلة كي تستعيد خضرتها، لكن إرادة الحياة لا تحترق، وروح الشعب لا تتحول إلى رماد. إن أجمل ما أظهرته هذه المحنة هو أن الجزائريين، في اللحظة الأصعب، كانوا يدًا واحدة وقلبًا واحدًا، وأن التضامن لم يكن شعارًا بل ممارسة حقيقية في الميدان، وأن الأخوة العربية عندما تكون صادقة لا تحتاج إلى حدود مفتوحة أو مسافات قصيرة، لأن القلب قادر على اختصار الجغرافيا كلها. غير أن التضامن الحقيقي لا ينبغي أن يتوقف عند الحزن والبكاء على الرماد، فالحرائق، إلى جانب كونها مأساة إنسانية وبيئية، يجب أن تكون جرس إنذار يدفع إلى تعزيز الوقاية والاستعداد وحماية الغابات، وتطوير وسائل التدخل المبكر، ورفع مستوى الوعي البيئي، لأن الكارثة قد تبدأ بقدر، لكن الاستعداد الجيد يمكن أن يخفف كثيرًا من آثارها. وما احترق اليوم يجب أن يكون درسًا للغد، وما فقدته الجزائر يجب أن يتحول إلى إرادة أقوى لحماية ما تبقى من ثروتها الطبيعية، حتى لا يصبح الأخضر الذي كان يملأ الجبال مجرد صورة في ذاكرة الأجيال. إن الرسائل التي جاءت من مختلف أرجاء الوطن العربي حملت معنى واحدًا لا يحتاج إلى كثير من الشرح: الجزائر ليست وحدها. ففي وقت الشدة تتساقط الحسابات الصغيرة، وتظهر حقيقة العلاقات بين الشعوب، ويصبح الحزن مشتركًا والدعاء واحدًا والأمل واحدًا. من النيل إلى الأوراس، ومن بلاد الرافدين إلى جبال جرجرة، ومن المغرب إلى الجزائر، ومن الشام إلى بلد المليون ونصف المليون شهيد، تتردد رسالة واحدة: نحن معكم، نشعر بألمكم، ونشارككم حزنكم، ونؤمن أنكم ستنهضون من جديد. سيهدأ اللهب، وستنطفئ النيران، وسيبقى الرماد شاهدًا على أيام قاسية، لكن الحياة ستشق طريقها من جديد، وستعود الأشجار، وستُبنى البيوت، وستنهض القرى، وستبقى أسماء الذين رحلوا محفورة في ذاكرة الوطن، وستظل تضحيات الذين واجهوا النار من أجل إنقاذ الآخرين صفحة مشرقة في تاريخ الجزائر. فالجزائر قد تحترق غاباتها، وقد يثقل الحزن قلوب أبنائها، لكنها لا تحترق في قلوب العرب، ولا تنكسر أمام المحن، ولا تنتهي عند حدود الرماد؛ لأن الأوطان التي صنعتها التضحيات تعرف دائمًا كيف تنهض من تحت الرماد أكثر قوة وشموخًا.