بقلم: شادي عيّاد
بعض اللحظات لا تحتاج إلى مَن يصف خطورتها، بل إلى مَن يمتلك شجاعة تغيير مسارها. وفلسطين اليوم لا ينقصها مَن يُحصي جراحها، بل مَن يوقف نزيفها. ولا ينقصها مَن يتغنّى بالوحدة، بل مَن يمتلك شجاعة تحويلها إلى قرار وطني يتقدّم على الحسابات والمصالح.
من هنا، أنظر إلى تحرّك حركة فتح والى إسناد وتولّي الاخ الفريق جبريل الرجوب قيادة مسار الحوار الوطني، بتفاؤلٍ يستند إلى الثقة، لا إلى الأوهام. فحين تتحرّك فتح من موقع مسؤوليتها التاريخية، فإن الأمر يتجاوز مبادرة سياسية إلى استعادة معنى الحركة الوطنية التي تعرف أن انقسام الفلسطينيين ليس خلافاً عابراً، بل استنزافٌ لمشروعهم الوطني، وتهديدٌ لمستقبلهم وحقّهم في الحرية والدولة.
وللرجوب مكانه الصلب في هذا المشهد. فهو أحد صقور حركة فتح، ومن رجالاتها الذين لا يحتاج حضورهم إلى ضجيج كي يُرى. لكن شموخ الصقر لا يُقاس بحدّة مخالبه فقط، بل بقدرته على رؤية الأفق البعيد بعينه الثاقبة. وهنا تكمن قيمة المهمة الوطنية: أن يجمع من دون أن يتنازل عن الثوابت، وأن يحاور من دون أن يفرّط بالشرعية، وأن يجعل من صلابة الموقف جسراً إلى التوافق، لا جداراً أمامه.
ثقتنا بالأخ ابو رامي ومن معه من صقور الحركة، ليست مديحاً لشخص. بل رهانٌ على قيادةٍ تعرف أن وزن الرجال يُقاس بما ينجزونه للوطن، لا بما تحققه الأسماء لأنفسها. ونأمل أن تكون ثقة فتح به رافعةً للإنجاز، وأن توظَّف خبرته وصلابته في مهمة تليق بحركة حملت المشروع الوطني ودافعت عن القرار الفلسطيني المستقل، وجعلت الدولة والشرعية عنواناً لنضال شعبنا.
ولكي نكون صريحين مع التاريخ، لا يجوز أن نتعامل مع الانقسام كأنه سقط من السماء، أو أن نساوي بين مشروع وطني جعل الدولة والشرعية غايته، وبين مقاولات الإسلام السياسي التي وضعت الأيديولوجيا في مواجهة الشراكة الوطنية، ودفعت بالقضية إلى صراعاتٍ أثقلت شعبنا وكلفته الكثير. ليست الغاية استدعاء الخصومة، بل تسمية الأسباب حتى لا نعيد إنتاج الكارثة بأسماء جديدة. فالمصالحة الحقيقية لا تقوم على إنكار المسؤوليات، بل على الاعتراف بها.
والحوار الذي نريده أكبر من اجتماع وأثقل من بيان، وأبعد من مصافحةٍ تنتهي بانتهاء الصور. نريده إنهاءً حقيقياً للانقسام، واستعادةً لمنظمة التحرير مرجعيةً وطنية جامعة، وتوحيداً للمؤسسات تحت مظلة القانون والشرعية، وترسيخاً لمبدأ السلاح الشرعي الواحد، وطريقاً إلى انتخاباتٍ يحتكم فيها الجميع إلى الشعب. فالوحدة التي لا تُترجم إلى نظام سياسي موحّد تبقى أمنية، والشرعية التي لا تتجدّد بإرادة الناس تظلّ بحاجة إلى تجديد الثقة.
وتمنح الرعاية المصرية هذا المسار فرصةً مهمة، لكن نجاحه سيبقى رهناً بقرار فلسطيني شجاع: أن يكون الوطن أكبر من الفصيل والقضية أكبر من الموقع، والمستقبل أكبر من ذاكرة الخصومة. فالمصالحة لا تعني أن ننسى ما حدث، بل ألّا نسمح لما حدث بأن يقرّر ما سيحدث.
وأنا أؤمن بأن حركة فتح، حين تستحضر روحها الوطنية، تستطيع أن تقود نحو هذه المعادلة. لا باستعادة أمجاد الماضي وحدها، بل بتحويل تاريخها إلى مسؤولية تجاه المستقبل. فالاختبار الحقيقي للحركة الوطنية ليس في قدرتها على تسجيل المواقف، بل في قدرتها على حماية الوطن من مزيدٍ من التصدّع، وجمع أبنائه حول مشروعٍ واحد.
أما الرجوب، فأتمنى أن يقود هذا المسار بشموخ الصقر وحكمة رجل الدولة المحصن وطنيا وهو كذلك. فليس النجاح أن يخرج كل طرفٍ مقتنعاً بأنه انتصر، بل أن يخرج الفلسطينيون وقد انتصرت فلسطين فيهم. لسنا بحاجة إلى جولةٍ جديدة يتبادل فيها الجميع رواية الانتصار، بل إلى نهايةٍ حقيقية لجولاتٍ استنزفت الوطن وأرهقت الناس.
لسنا بحاجة إلى معجزة، بل إلى قرارٍ شجاع، ولا نريد أملاً يُستهلك في الكلام، بل إنجازاً يعيد للسياسة معناها، وللوحدة مكانتها، وللشعب ثقته بأن المستقبل لم يُغلق بعد.
حين تتحرّك فتح، نريد أن يتحرّك معها المشروع الوطني، وحين يتقدّم أحد صقورها، نريد أن تتقدّم معه الحكمة نحو المصالحة، والصلابة نحو التوافق، والثقة نحو الإنجاز.
فلسطين تستحق هذه المحاولة، وشعبها يستحق سياسةً تفتح أبواب المستقبل، لا دائرةً تعيد فيها الأخطاء إنتاج نفسها.
فلسطين أولاً… والوحدة طريقها، والشرعية أساسها، وإرادة الشعب بوصلتها.