في هذا الوطن المتعب… حيث يقف الموظف على باب البنك ينتظر راتبًا قد يأتي… وقد لا يأتي وغالبا لا يأتي وحيث تُؤجل الأحلام لأن الراتب لا يكفي… أو لأنه لم يصل أصلًا، تمضي آلاف السيارات الحكومية في الشوارع… بهدوءٍ لا يلفت الانتباه ولكن بكلفةٍ تُرهق وطنًا كاملًا. لسنا ضد الدولة… ولا ضد هيبتها… ولا ضد أن يتحرك المسؤول بكرامة تليق بموقعه، بل نحن جنود الرئيس محمود عباس… راعي الإصلاح في هذا البلد ومعه في كل ما يعزز الأمن ويحمي الاستقرار ومع كل مركبة تخدم المهمة الحقيقية ومع كل ما هو ضروري لهيبة الدولة وسلامة مؤسساتها، لكننا، وبكل وضوح، ضد أن تتحول السيارة الحكومية من وسيلة لخدمة الناس… إلى عنوانٍ للامتياز.
نحن لا نتحدث عن عشرات المركبات… بل عن آلاف ولا نتحدث عن آلاف الدولارات… بل عن عشرات الملايين سنويًا تُصرف على وقودٍ وصيانةٍ، وتأمين، في وقتٍ يبحث فيه الوطن عن كل دولار. والأخطر من ذلك… أن كثيرًا من هذه المركبات لا تعمل أصلًا. مركونة أمام البيوت… تحت الشمس… أو في الظل… كأنها “ملكية خاصة” لا علاقة لها بالدولة. نراها… ويعرفها الناس… وتعرفها الحارات. بل إن هناك مركبات بأرقام باتت معروفة يُهمس بها همسًا… كأنها أسرار، كسيارة تحمل رقمًا مثل “3000”… حاضرة في الأذهان، غائبة عن الشارع، وكأنها تختبئ عن أعين الوزارة التي تم جلبها لخدمتها، يلمّح البعض بأنها لم تُرَ منذ ذاك اليوم إلا ربما في أوقات محدودة، ولكن ليس في سياق عملها الطبيعي مع وزير الأوقاف، وكأنها وجدت طريقًا آخر نحو أحد “عِظام الرقبة” ممن يُفترض بهم قبل غيرهم أن يحاسبوا لا أن يُستثنوا… حيث ان ما يُتداول بين الناس أنهم يربطونها بوزير الأوقاف… تمامًا كما يسمع المواطن تلك العبارة القاسية: “المشترك الذي طلبته خارج دائرة التغطية”.
السؤال هنا ليس تقنيًا… بل أخلاقي. كيف يمكن أن نقنع المعلم بالصبر؟ والطبيب بالاحتمال؟ والشرطي بالتحمل؟ بينما يرى بأم عينه أن بعض المركبات لا تُستخدم لخدمة الدولة… بل لخدمة نمط حياة. وهنا لا بد من قول ما يعرفه الناس همسًا: هناك من يملك “مواكب مخفية”… سيارات لا تُرى إلا عند الحاجة الشخصية تخرج للمنازل… وللمشاوير الخاصة… وحتى لصالونات التجميل وكأن الدولة تحولت إلى خدمة منزلية مغلّفة برقم حكومي.
لسنا هنا لنُدين أحدًا… لكننا نُذكّر: أن الدولة التي نحلم بها… لا تُبنى فقط بالمواقف الكبرى بل تُبنى أيضًا بالتفاصيل الصغيرة التي يشعر بها الناس كل يوم. ونحن حين نتحدث، لا نقصد مركبات الأمن ولا ما يلزم لحماية الوطن واستقراره فهذه خطوط لا تُمس… بل نُشدد عليها وندعمها لأن الأمن أساس كل شيء.
السيارة الحكومية… ليست مجرد مركبة هي رسالة. إما أن تقول: “نحن معكم… نتحمل كما تتحملون”، أو تقول: “هناك من يعيش واقعًا آخر”. والحقيقة التي لا يجب أن نخاف منها: أن جزءًا كبيرًا من هذا الأسطول يمكن الاستغناء عنه… دون أن تهتز الدولة ودون أن تتأثر هيبتها. بل على العكس… قد تستعيد هيبتها.
الحلول موجودة… وواضحة: تقليص حقيقي لا شكلي وقف الاستخدام الشخصي مع نظام مركبات مشترك داخل المؤسسات، بدل مالي عادل بدل الامتياز المفتوح. ليست شعارات… بل قرارات.
سيادة الرئيس محمود عباس… نحن لا نكتب من موقع معارضة، بل من موقع الحرص. نحن جنودك في معركة الإصلاح ومعك في كل خطوة تعيد للدولة توازنها وهيبتها ونؤمن أن العدالة تبدأ من هنا وليس من شراء جبات نوع طوارق فارهة جدا وباهظة الثمن جدا و بشكل عبثي ومن التفاصيل التي يراها الناس كل يوم وتُعيد بناء الثقة… التي تعبنا جميعًا من فقدانها.
الله يعين النيابة العامة وهيئة مكافحة الفساد.
هذا ليس ملف سيارات… هذا ملف ثقة ولأننا نعشق هذا الوطن ونعشق حركة فتح، ونؤمن أن الإصلاح من الداخل هو الطريق الوحيد للنجاة… نقولها بوضوح: أوقفوا هذا النزيف… قبل أن يتحول إلى وجعٍ أكبر .






