“يمكن تسمية المعارضة المُزمنة التي تتحوّل إلى مهنة بأنها تعجيزية، فهي تطرح يوتوبيا غير مؤهّلة للتحقق خارج الورق، وإذا قُيّض لها أن تُجرّب، فقد تتحوّل اليوتوبيا الموعودة إلى ديستوبيا أنكى من الجحيم، لكنها عندئذٍ تمنع عن الآخر ما أباحته لنفسها، ويُصبح من يعارضها خائنًا للوطن ومضادًا لحركة التاريخ.”
من اليوتوبيا إلى الديستوبيا: حين تُصبح المعارضة مهنة والنقد مشروع هيمنة
في التاريخ السياسي والفكري للأمم، لطالما كانت المعارضة ظاهرة صحية تؤشر على حيوية المجال العام، وتدلّ على وجود فضاء ديمقراطي يسمح بالتعدد والتداول والنقد. غير أنّ ما يحدث أحيانًا أن تتآكل الفكرة النبيلة من الداخل، فتتحول المعارضة إلى حالة مُزمنة، لا تُعالج مشكلات الواقع بل تتغذى منها، ولا تسعى إلى تقديم البديل بقدر ما تتقن فنّ الهدم، حتى تغدو مع الزمن “مهنة” قائمة بذاتها، تقتات من السخط الشعبي وتعيد إنتاجه.
إنّ هذا النمط من المعارضة ليس ظاهرة عابرة، بل هو ما يمكن تسميته بـ”المعارضة التعجيزية”، التي لا ترى في الإصلاح التدريجي أو المراكمة البطيئة مسلكًا صالحًا، وإنما تؤمن فقط بالقطيعة الجذرية والثورة الشاملة، فتطرح على الناس نماذج طوباوية (يوتوبيا) تَعِد بالخلاص، وتبشر بعالم خالٍ من الشرّ والقمع والتفاوت، وكأنَّ التاريخ يمكن أن يُعاد تشكيله بممحاة ورديّة.
لكن التاريخ، كما يعلمنا دائمًا، لا يعمل بالنيات بل بالوقائع. وقد بيّنت التجارب، مرارًا، أن اليوتوبيا حين تنزل من مقامها المثالي إلى واقع التطبيق، كثيرًا ما تُنتج نقيضها: الديستوبيا. فما يبدأ كحلم تحرريّ قد يتحوّل إلى كابوس سلطويّ. الأمثلة عديدة: من ثورات رفعت شعار “العدالة للجميع” فانتهت إلى أنظمة شمولية، إلى حركات معارضة رفعت راية “حرية التعبير”، ثم ما لبثت أن قمعت الرأي المخالف بمجرد بلوغها السلطة، معتبرة معارضيها “أعداء الشعب”، و”خونة الوطن”، و”معرقلين لحركة التاريخ”.
ولعلّ المفارقة المؤلمة تكمن في أن هذه المعارضة – التي طالما طالبت بحرية الكلمة – تتحوّل، حين تُمسك بمقاليد الحكم، إلى نسخة أخرى من الاستبداد الذي كانت تدينه، لكنها هذه المرّة، تبرر ممارساتها بإسم “الرسالة”، و”الشرعية الثورية”، و”ضرورة حماية الإنجاز”. وهكذا، تسقط في التناقض الذي لا فكاك منه: تمنع عن الآخر ما أباحته لنفسها، وتحتكر الحقيقة، وتُشيطن كل من يخالفها، كأنها الوصيّ الوحيد على التاريخ والمستقبل.
وقد نبّه الفلاسفة والمفكرون إلى خطورة هذه التحوّلات. فقد حذّر جورج أورويل، في روايته الشهيرة 1984، من تلك اللحظة التي يصبح فيها من يحكم بإسم التحرر أكثر قمعًا ممن ثار عليه. كما أشار كارل بوبر في نقده “لليوتوبيا المغلقة” إلى أنّ الأنساق الفكرية التي تزعم امتلاك الحقيقة المطلقة لا تنتهي إلا إلى الاستبداد، لأنها لا تقبل الخطأ ولا التعديل، ولا تؤمن بحدود التجربة البشرية.
إن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في النظام الذي تُعارضه المعارضة، بل في المعارضات ذاتها إذا ما تحوّلت إلى مشاريع طوباوية منغلقة، لا تقبل بالتفاوض ولا تراهن على النضج المؤسسي، بل تستعجل القطيعة التامة تحت راية “الطهر الثوري”. ففي مثل هذا السياق، لا تُطرح البدائل الواقعية، بل يُعاد إنتاج الأوهام، ويُدفع الناس من مأساة إلى أخرى، باسم الحرية ذاتها.
وبدلًا من أن تُسهم المعارضة في إثراء الحياة السياسية، تتماهى – من حيث لا تدري – مع نماذج سلطوية موازية، فتخلق ثنائيات قاتلة: نحن أو هم، النقاء أو الخيانة، الثورة أو العبودية، فتغلق بذلك الباب أمام أي إمكان لبناء تعاقد مدني عادل، وتدفع نحو انقسام المجتمع إلى معسكرات لا تؤمن سوى بذواتها.
إن اليوتوبيا الحقيقية لا تُفرض، بل تُبنى. ولا تُولد من الاحتقار المسبق للمؤسسات القائمة، بل من سعيٍ حثيث لإصلاحها وتطويرها ضمن الواقع وتحت سقف القانون. فالعالم لا يتحوّل إلى جنّة بكلمات منمقة، بل بجهد تراكمي عقلاني، يعترف بالاختلاف، ويُراكم التجربة، ويوازن بين الحلم والممكن.








