السياسي –
في زمن تتكدّس فيه الأدوار الطويلة بلا أثر، يعود الممثل السوري يحيى مهايني ليؤكد أن المسألة ليست في عدد المشاهد، بل في كثافتها. ظهوره الأخير في مسلسل “مولانا” بدور “سليم العادل” كان قصيراً زمنياً، لكنه ترك بصمة واضحة، أعادت تسليط الضوء على موهبة تعرف جيداً كيف تستثمر المساحة مهما ضاقت.
حضور مكثّف في “مولانا”
في “مولانا”، لم يحتج مهايني إلى حلقات كاملة كي يفرض حضوره. أداؤه اتسم بالهدوء المشحون، والاقتصاد في الانفعال، مع قدرة لافتة على التعبير بالصمت قبل الكلام. الشخصية بدت مرسومة بعناية، لكن ما منحها ثقلها الحقيقي هو الأداء الداخلي الذي قدّمه، بعيداً عن الاستعراض أو المبالغة. هذا النوع من التمثيل يعكس وعياً عالياً بأدوات الممثل، وثقة بأن الكاميرا تلتقط التفاصيل الصغيرة قبل الجمل الرنانة.

من “مستر روث” إلى ترسيخ الهوية التمثيلية
لم يكن هذا الظهور الأول الذي يخطف فيه مهايني الأنظار من مساحة محدودة. في مسلسل “الزند ذئب العاصي”، شكّلت شخصية “مستر روث” علامة فارقة رغم قصر زمنها. هناك أيضاً، اعتمد على بناء شخصية قائمة على الغموض والبرود المدروس، ما جعلها مادة للنقاش بين المتابعين.
اللافت أن مهايني لا يركن إلى النمطية، بل يبدّل طبقاته من عمل إلى آخر، محتفظاً بخيط رفيع يجمع بين أدواره: حضور ذهني واضح، وقدرة على خلق هالة خاصة حول الشخصية حتى لو لم تكن محور الأحداث.
انطلاقة سينمائية عالمية
المنعطف الأبرز في مسيرته جاء سينمائياً من خلال مشاركته إلى جانب النجمة العالمية مونيكا بيلوتشي في فيلم “الرجل الذي باع جلده”، العمل الذي وصل إلى ترشيحات جائزة الأوسكار لأفضل فيلم دولي. تلك التجربة لم تكن مجرد مشاركة عابرة، بل محطة رسّخت اسمه ضمن جيل من الممثلين السوريين القادرين على العبور إلى فضاءات أوسع.
السينما، بطبيعتها، تختبر الممثل بصرامة أكبر، إذ لا مجال للمبالغة أو الحشو. ومن هنا يمكن قراءة تلك المشاركة بوصفها اعترافاً مبكراً بقدرة مهايني على الأداء المركّب، الذي يحتمل القراءة على أكثر من مستوى.
ممثل يراهن على النوع لا الكم
مسيرة يحيى مهايني حتى الآن توحي بأنه يراهن على نوعية الأدوار لا على كثرتها. حضوره لا يقوم على الضجيج الإعلامي، بل على تراكم أدوار قصيرة لكنها محكمة. وفي مشهد درامي يعجّ بالأسماء والوجوه، يبدو أن مهايني اختار طريقاً أصعب: أن يكون تأثيره مرهوناً بالجودة فقط.
في النهاية، يذكّرنا هذا النموذج بأن الممثل الحقيقي لا يقاس بعدد الدقائق التي يظهر فيها، بل بمدى بقائه في ذاكرة المشاهد بعد انتهاء المشهد. ويحيى مهايني، حتى الآن، يجيد هذا النوع من البقاء.







