بقلم: شادي عياد
في البدء لم تكن فلسطين أرضًا تُحكى أو حدودًا تُرسم
بل كانت ارتعاشة خفية في صدر الكون
كأن التراب حين ضاق بما فيه من صمت قرر أن يتكلم على هيئة إنسان
وأن يترك فينا أثره كي لا ننسى أننا منه وإليه.
فلسطين لم تكن جغرافيا تُقاس بالخرائط
بل معنى يمشي بين الذاكرة والوجع
ويصرّ أن يبقى حيًا رغم كل ما يُراد له أن يُطفأ
كأن الحياة هنا ليست حقًا فحسب، بل امتحان طويل للكرامة.
يا فلسطين…
يا وجهًا لا يكتمل إلا بالدمع
يا أمًّا كلما انحنت على تعبها نبت في كفّها زيتونٌ جديد
وكلما ظنّوا أنها أنهكت، نهضت من داخلها حياة لا تُرى.
هنا،
لا تُقاس الأيام بطولها
بل بما تتركه في القلب من يقينٍ أن الوقوف ممكن، حتى حين يميل كل شيء حولك نحو الانهيار.
وفي هذا الامتحان المفتوح على الزمن
لم تكن الثورة صرخة غضب فقط
بل كانت وعيًا يمشي على حافة الخوف
ويدرك أن الحرية ليست اندفاعًا عابرًا
بل بناءٌ صبور يشبه الإيمان حين يصبر على غيابه.
الثورة عقلٌ حين يرفض أن يُخدع
وقلبٌ حين يرفض أن يعتاد الانكسار
ويدٌ تعرف أن الوطن لا يُستعاد بالشعار، بل بالفعل الذي يشبه القدر حين يتحقق.
ومن هذا الوعي،
ولدت حكايةٌ اسمها فتح…
ليست اسمًا في السياسة فقط
بل مسارًا إنسانيًا حاول أن يمنع هذا الوطن من السقوط في الفراغ
حين كان كل شيء يدفعه نحو الغياب.
كانت الأم الفلسطينية هي البداية التي لا تُرى لكنها تُشعرنا بكل شيء
امرأة تُعيد ترتيب الحياة من تعبها
تخبئ الخوف في ابتسامة كي لا ينهار البيت
وتعلّم أبناءها أن الكرامة ليست خيارًا بل طريقة للعيش حتى آخر نبض.
وكان الشاب الفلسطيني هو الامتداد
يمشي بين الحواجز كمن يمشي داخل روحه
يحمل حلمًا لا يعرف كيف يشيخ
ويقينًا لا يحتاج إلى إذن كي يولد.
وكان العسكري الفلسطيني
واقفًا على تخوم المعنى
يحرس ما تبقى من فكرة الوطن
كأن الوقوف نفسه عهد لا يجوز التراجع عنه.
وكان المعلم،
يكتب على لوحٍ متعب: “سنصل”
كأن الحروف وحدها قادرة على إبقاء الباب مفتوحًا نحو الغد.
وكان الطبيب،
يُرمم ما كسره العالم في الجسد والروح معًا
ويمنح الحياة فرصة إضافية كي لا تنطفئ.
وكان الشاعر،
يقف بين اللغة والانهيار
كي لا يتحول الألم إلى عادة
ولا يصبح الوطن مجرد خبرٍ يمرّ.
وفي هذا المشهد،
تظهر القدس كأنها قلب لا يشيخ
مدينة تمشي فوق الجرح وتبقى أعلى من الجرح
تفتح أبوابها للذاكرة كل صباح
وتقول للعالم إن الحجر هنا ليس صامتًا، بل شاهدًا لا ينام.
وفي غزة،
المدينة التي تعيش على حافة الصبر
يمتزج الألم بالكرامة كما يمتزج البحر بالملح
كل بيت فيها حكاية، وكل شارع شاهد
وكل مساء يشبه امتحانًا جديدًا للحياة.
غزة لا تُروى كخبر
بل تُفهم كنبضٍ لا يتوقف رغم كل ما يحاول أن يوقفه.
وفي القدس وغزة معًا
تتجلى فلسطين كما هي
ليست مكانًا فقط، بل حالة إنسانية كاملة
تختبر معنى البقاء حين يصبح البقاء نفسه موقفًا.
هنا السياسة ليست تفصيلًا
بل سؤالًا عميقًا:
كيف يبقى هذا الشعب واقفًا رغم كل ما يُراد له أن ينكسر؟
وكيف لا يتحول الألم إلى قدر
بل إلى طريق طويل نحو المعنى؟
في هذا الطريق
لا توجد إجابات نهائية
لكن هناك حقيقة واحدة تتكرر كل يوم:
أن البقاء نفسه شكل من أشكال الانتصار.
ولهذا تبقى فتح ليست عنوانًا فقط
بل محاولة مستمرة لإبقاء هذا الوطن في حالة حياة.
محاولة تقول إن فلسطين لا تُختصر
وإنها لا تُهزم دفعة واحدة
بل تُختبر في كل لحظة من قلوب أبنائها.
وفي النهاية…
ليس الوطن ما نعيش فيه
بل ما يعيش فينا رغم كل المسافات والخذلان.
وفلسطين…
ما زالت تمشي فينا
كصلاة لا تنتهي.







