في كل مرة تشتعل فيها حرب في هذا الإقليم المضطرب، تعود فلسطين إلى الواجهة، تُرفع رايتها في الخطابات، وتُستحضر كعنوان أخلاقي للصراع. غير أن التجربة أثبتت، وبمرارة متكررة، أن هذه الحروب ما إن تخمد حتى تتراجع فلسطين إلى الهامش، وتُعاد صياغة المشهد وفق مصالح الدول لا وفق عدالة القضايا.
اليوم، ومع تصاعد المواجهة المرتبطة بإيران، تتبلور ثلاثة سيناريوهات لا رابع لها: إما بقاء النظام والدخول في مفاوضات، أو بقاؤه في حالة ضعف مع تغييرات جوهرية في سياساته، أو سقوطه وصعود نظام جديد. وفي كل هذه الاحتمالات، تبقى القاعدة الحاكمة واحدة: الدول تتصرف وفق مصالحها، لا وفق الشعارات التي ترفعها. وعليه، فإن أي مفاوضات مقبلة—مهما كان شكلها—ستدور حول حسابات القوة والنفوذ، لا حول إنصاف فلسطين.
قد يبدو للبعض أن الربط بين هذه الحرب والقضية الفلسطينية مبالغ فيه، لكن التاريخ القريب يقول عكس ذلك. فقد كانت فلسطين، على الدوام، حاضرة في صراعات الآخرين، تُستخدم أحيانًا كقضية عادلة، وأحيانًا كشعار تعبوي يخدم أجندات سياسية. وبين الحالتين، كان الفلسطيني يعلّق آماله، قبل أن يصطدم بحقيقة أن نتائج تلك الحروب لا تصب في صالحه.
لقد تكرّس عبر عقود نمطٌ سياسي واضح، حيث جرى توظيف القضية الفلسطينية في خطاب عدد من الأنظمة كوسيلة لتعزيز الشرعية أو توسيع النفوذ، دون أن ينعكس ذلك فعليًا على واقع الفلسطينيين. فقد رُفعت الشعارات الكبرى في مراحل مختلفة، من حقبة صدام حسين، إلى سياسات حافظ الأسد، مرورًا بمرحلة بشار الأسد، وكذلك تجربة معمر القذافي، لكن المحصلة النهائية لم تكن بمستوى الخطاب المعلن. ومع التحولات الكبرى التي شهدتها هذه الدول، انصرفت الأولويات نحو الداخل وإعادة ترتيب الأوضاع الوطنية، وهو مسار طبيعي لأي دولة، غير أن النتيجة بالنسبة لفلسطين كانت مزيدًا من العزلة في مواجهة الاحتلال. وفي المقابل، استثمرت إسرائيل هذه التحولات لتعميق سياساتها التوسعية، مستفيدة من انشغال الإقليم بأزماته، لتكريس واقع جديد على الأرض يخدم مشاريعها طويلة الأمد.
إن ما يجري اليوم مع إيران لا يخرج عن هذا السياق. فالدولة التي تخوض صراعًا بهذا الحجم، سواء خرجت منه قوية أو ضعيفة أو حتى بنظام جديد، ستتجه في نهاية المطاف إلى طاولة المفاوضات وهي تحمل أولوياتها الوطنية الخاصة. ولن تكون فلسطين، في أفضل الأحوال، سوى بند ضمن حزمة تفاوضية معقدة، لا القضية المركزية التي تُبنى عليها النتائج.
في المقابل، تستثمر إسرائيل هذا الواقع إلى أقصى حد، مستفيدة من حالة الانشغال الدولي والإقليمي، لتسريع خطواتها على الأرض، خاصة في الضفة الغربية، حيث يتقدم مشروع الضم بشكل متدرج، بينما تتراجع القدرة على المواجهة بفعل الانقسام والضعف العام في الموقف العربي والدولي. ويبرز هنا دور بنيامين نتنياهو الذي يسعى إلى فرض معادلة جديدة في المنطقة، تقوم على إعادة تشكيل الشرق الأوسط وفق رؤية لا مكان فيها لحقوق الفلسطينيين كما أقرتها الشرعية الدولية.
إن الخلاصة القاسية التي تفرض نفسها هي أن الفلسطيني قد يكون الخاسر الأكبر في حرب ليست حربه. فبين صراع القوى الكبرى والإقليمية، تُهمل القضايا العادلة، وتُعاد صياغتها بما يخدم موازين القوة. وما لم يدرك الفلسطيني هذه الحقيقة، ويعيد بناء استراتيجيته على أساس الاعتماد على ذاته أولًا، فإن تكرار هذا السيناريو سيبقى قدرًا يتجدد مع كل أزمة.
لقد آن الأوان للخروج من دائرة الرهان على الآخرين، والانتقال إلى مرحلة الفعل الوطني المستقل، القائم على وحدة الصف، ووضوح الهدف، وتحديد الأولويات بعيدًا عن الأوهام. فالتاريخ لا يرحم المترددين، ولا ينصف القضايا التي لا يملك أصحابها زمام المبادرة.
ختامًا، تشتعل الحروب باسم فلسطين، لكنها غالبًا ما تنتهي بعيدًا عنها. وبين البداية والنهاية، يبقى الفلسطيني في مواجهة واقع أكثر تعقيدًا، فيما تتغير خرائط النفوذ من حوله. والسؤال الذي يجب أن يُطرح بجرأة: إلى متى تبقى فلسطين ورقة في يد الآخرين، لا قضية بيد أبنائها؟.







