بقلم: عماد خالد رحمة – برلين
أزمة الإنسان بين ما يؤمن به وما يمارسه
ليست أزمة المجتمعات في غياب المبادئ بقدر ما تكمن في انتهاكها، وليست المعضلة في نقص الشعارات التي تتغنّى بالعدالة والحرية والمساواة، بل في المسافة الشاسعة بين ما يُعلَن وما يُمارَس. فحين يصبح المبدأ خاضعاً للمصلحة، والحق رهيناً بالانتماء، والعدالة قابلة للتأويل وفق هوية صاحبها، نكون أمام خلل عميق في بنية الوعي الفردي والجمعي. عندئذ لا تعود ازدواجية المعايير مجرد سلوك عابر، بل تتحول إلى ثقافة اجتماعية وسياسية وأخلاقية تعيد إنتاج الظلم، وتُعطّل التفكير النقدي، وتُفرغ القيم من مضمونها الإنساني.
أولاً: ازدواجية المعايير وانهيار مبدأ العدالة
يُعبّر مفهوم ازدواجية المعايير، أو الكيل بمكيالين (Double Standards)، عن اعتماد أحكام متباينة تجاه أفعال أو وقائع متماثلة، تبعاً لهوية الأطراف أو انتماءاتهم أو المصالح المرتبطة بهم. فما يُعَدّ مشروعاً ومقبولاً حين يصدر عن جماعة معينة، يصبح مداناً ومرفوضاً حين يصدر عن جماعة أخرى، رغم تماثل الفعل والظروف.
وهذا التناقض لا يمثل مجرد تحيّز في إصدار الأحكام، بل يشكل انتهاكاً جوهرياً لمبدأ العدالة، الذي يقتضي إخضاع الجميع لمعايير واحدة، بعيداً عن الاعتبارات الطبقية أو العرقية أو القومية أو الدينية أو الجنسية.
فالعدالة لا تستقيم إذا تغيّر ميزانها بتغيّر هوية صاحب الحق أو المعتدي عليه، ولا يمكن للقانون أن يحتفظ بشرعيته الأخلاقية إذا تحوّل إلى أداة انتقائية تحمي فئة وتُدين أخرى. ومن هنا، فإن الحياد والمساواة أمام القانون ليسا امتيازاً تمنحه السلطة لمن تشاء، بل أساساً لا تقوم العدالة من دونه.
غير أن المجتمعات كثيراً ما تتسامح مع هذا الخلل، وتختبئ خلف مقولة إن الحياة ليست عادلة، وكأن الاعتراف بالظلم يُغني عن مقاومته، أو كأن ما هو قائم يكتسب مشروعيته لمجرد أنه أصبح مألوفاً.
ثانياً: الانتقائية السياسية وسقوط الأخلاق أمام المصالح
تتجلى ازدواجية المعايير بأوضح صورها في العلاقات الدولية والمواقف السياسية. فالدول التي ترفع رايات حقوق الإنسان والحرية وتقرير المصير، قد تتخلى عن هذه المبادئ عندما تتعارض مع مصالحها الاقتصادية أو تحالفاتها الاستراتيجية.
تُسرع بعض الحكومات إلى إدانة انتهاكٍ ما حين يصدر عن خصومها، لكنها تتردد في اتخاذ الموقف نفسه عندما يرتكبه حليف أو شريك سياسي. وهكذا يصبح الحق قابلاً للتجزئة، والعدالة خاضعة لحسابات القوة، وتتحول القيم الإنسانية إلى أدوات للضغط السياسي بدلاً من أن تكون التزاماً أخلاقياً شاملاً.
إن نصرة المظلوم لا ينبغي أن ترتبط بجنسيته أو دينه أو موقعه الجغرافي، كما أن إدانة الظلم لا يجوز أن تتوقف على هوية مرتكبه. فالظلم لا يصبح مقبولاً لأن مرتكبه حليف، ولا يفقد فداحته لأن ضحيته تنتمي إلى شعب مختلف.
ولعل ما شهدته أوروبا من تفاوت في التعامل مع اللاجئين يقدم مثالاً دالاً على هذه الإشكالية. ففي الدنمارك، أثار القانون المعروف باسم «قانون المجوهرات»، الذي أُقر عام 2016، جدلاً واسعاً بسبب سماحه بمصادرة بعض مقتنيات طالبي اللجوء لتغطية نفقات إقامتهم، في حين استُثني اللاجئون الأوكرانيون من بعض أحكامه لاحقاً. وقد أثار هذا التفاوت تساؤلات أخلاقية وقانونية حول المساواة في معاملة الفارين من الحروب والاضطهاد.
ولا تكمن الإشكالية هنا في ضرورة توفير حماية خاصة لفئة من اللاجئين، بل في السؤال عن سبب اختلاف المعايير الإنسانية والقانونية عند التعامل مع فئات أخرى تواجه ظروفاً مشابهة من الخوف والاقتلاع وفقدان الأمان.
إن قيمة حقوق الإنسان تُقاس بمدى احترامها حين تكون مكلفة سياسياً، لا حين يكون الدفاع عنها متوافقاً مع المصالح.
ثالثاً: الفرق بين ازدواجية المعايير والنفاق الأخلاقي
من الضروري التمييز بين ازدواجية المعايير والنفاق، على الرغم من التقاطع بينهما.
فالنفاق الأخلاقي يقوم على ادعاء الالتزام بمبدأ معين، مع تعمّد مخالفته في السلوك والممارسة. أما ازدواجية المعايير فتتجاوز ذلك إلى اعتماد ميزانين مختلفين للحكم على الأفعال، بحيث يُبرَّر السلوك ذاته عند صدوره عن الذات أو الجماعة، ويُدان عند صدوره عن الآخر.
وقد يجتمع السلوكان في شخص واحد؛ فيدعو إلى محاربة الفساد بينما يمارسه، ويطالب الآخرين باحترام القانون بينما يستثني نفسه منه، ويرفع شعار التسامح لكنه لا يتسامح مع المختلفين عنه.
إن جوهر الأزمة يكمن في تحويل المبادئ من مرجعية تضبط السلوك إلى أدوات انتقائية تبرّره. فالمبدأ الذي لا يُطبَّق على الذات قبل الآخرين ليس قيمة أخلاقية راسخة، بل خطاب للاستهلاك الاجتماعي.
رابعاً: ازدواجية الوعي في المجتمع العربي
إذا انتقلنا من المجال السياسي إلى المجال الاجتماعي، وجدنا أن ازدواجية المعايير قد أصبحت إحدى المشكلات البنيوية في قطاعات واسعة من مجتمعاتنا العربية، حيث تتسع الفجوة بين الخطاب والممارسة، وبين ما نعلنه من قيم وما نمارسه في علاقاتنا اليومية.
فكثيراً ما يتغنى الإنسان بالحرية في المجال العام، لكنه يرفضها داخل أسرته، ويدافع عن الديمقراطية في مواجهة السلطة، بينما يمارس الاستبداد في بيته أو مؤسسته. وقد يطالب بالمساواة بين الرجل والمرأة في الخطاب، لكنه ينكرها على أخته أو زوجته أو ابنته عندما تتعارض حقوقهن مع سلطته أو مصالحه.
وهنا تتكشف المفارقة الأكثر إيلاماً: أن الإنسان الذي يرفض القهر حين يقع عليه، قد يتحول إلى ممارس له حين يمتلك سلطة على غيره.
إننا أمام بنية من الاستبداد المتبادل، يتلقى فيها الفرد القهر من الأعلى، ثم يعيد إنتاجه في علاقته بمن هم أدنى منه في سلم السلطة الاجتماعية. وهكذا تتشكل دورة مغلقة من الخضوع والتسلط، ومن التملق في اتجاه الأعلى والقهر في اتجاه الأسفل.
ولا يمكن تفسير هذه الظاهرة باعتبارها مجرد تناقض فردي؛ فهي ترتبط أيضاً بالتنشئة الاجتماعية، وضعف ثقافة المساءلة، وغياب التربية على الاختلاف، وتراكم أنماط سلطوية تجعل امتلاك القوة مبرراً لممارسة الهيمنة.
إن أخطر ما في هذه الحالة أن الازدواجية تفقد مع الوقت قدرتها على إثارة الشعور بالذنب، فيتعايش الإنسان مع تناقضاته وكأنها أمر طبيعي، ويصبح التبرير بديلاً من الاعتراف، والإنكار بديلاً من النقد الذاتي.
خامساً: الانتقائية في قراءة التاريخ والجغرافيا
لا تتوقف الانتقائية عند المواقف اليومية أو العلاقات الاجتماعية والسياسية، بل تمتد إلى طريقة تعاملنا مع التاريخ والتراث والهوية.
فنحن كثيراً ما نختار من الماضي ما يوافق تصوراتنا الراهنة، ونستدعي الوقائع التي تؤكد قناعاتنا، ونتجاهل ما يكشف مواطن الخلل والتناقض. نُمجّد بعض المراحل التاريخية دون إخضاعها للمساءلة، ونحمّل مراحل أخرى مسؤولية أزمات الحاضر، وكأن التاريخ سجلٌّ من الأمجاد الخالصة أو الإخفاقات المطلقة.
وهذه القراءة الانتقائية لا تساعد على فهم الماضي، بل تحوّله إلى مادة أيديولوجية لتبرير الحاضر.
إن التراث ليس كتلة مقدسة خارج التاريخ، ولا ينبغي التعامل معه بوصفه عبئاً يجب التخلص منه. إنه نتاج إنساني متنوع، يحمل إنجازاته وإخفاقاته، وتناقضاته وإمكاناته. ومن ثم فإن التعامل النقدي معه يقتضي التمييز بين ما يحتفظ بقيمته المعرفية والإنسانية، وما تجاوزه الزمن أو أثبتت التجربة محدوديته.
كما أن الجغرافيا ليست مبرراً لتوزيع الحقوق والواجبات وفق خرائط المصالح والهويات المغلقة. فالإنسان لا يفقد إنسانيته بتغيّر موطنه، ولا تتفاوت كرامته باختلاف الحدود التي ولد داخلها.
إن الانتقائية في التاريخ والجغرافيا تؤدي إلى تشويه الوعي، لأنها تجعل الإنسان أسير صورة مختارة عن ذاته، بدلاً من أن تدفعه إلى اكتشاف حقيقته في تعددها وتعقيدها.
سادساً: غياب النقد الذاتي وتراجع العقلانية
لا يمكن لأي مجتمع أن يحقق نهضته من دون امتلاك القدرة على مراجعة ذاته، والاعتراف بأخطائه، وتجاوز أنماط التفكير التي تعوق تطوره.
لقد أسهم مفكرون وفلاسفة عرب، وفي مقدمتهم ابن رشد، في ترسيخ تقاليد عقلانية جعلت الحوار والنظر البرهاني ومساءلة المسلّمات جزءاً من تاريخ الفكر الإنساني. وقد انتقلت بعض آثار هذا الإرث إلى الفضاء الفكري الأوروبي، وأسهمت في مسارات تطور الفلسفة والنهضة الفكرية.
لكن المفارقة أن قطاعات من مجتمعاتنا المعاصرة ابتعدت عن روح هذا الإرث، واستبدلت النقد بالتبرير، والبحث باليقين المغلق، والحوار بالإقصاء.
إن التقدم لا يعني استنساخ تجارب الآخرين، ولا الانبهار بمظاهر الحداثة، بل امتلاك القدرة على إنتاج معرفة نقدية تنبع من واقع المجتمع، وتستفيد من تراكم التجارب الإنسانية.
ومن هنا، فإن الإصلاح الحقيقي يبدأ حين نتوقف عن البحث الدائم عن أخطاء الآخرين بوصفها تفسيراً جاهزاً لإخفاقاتنا، ونمتلك الشجاعة لمساءلة البنى التي نعيش داخلها، والأفكار التي نعيد إنتاجها، والسلوكيات التي نمارسها.
فلا نهضة بلا نقد ذاتي، ولا نقد ذاتياً بلا حرية عقلية، ولا حرية عقلية في بيئة تخشى الاختلاف وتجرّم السؤال.
من انتقائية المبادئ إلى وحدة المعيار
إن ازدواجية المعايير ليست مجرد خلل في إصدار الأحكام، بل تعبير عن أزمة أعمق في الوعي والقيم والعلاقة بالآخر. وحين تتحول المبادئ إلى شعارات انتقائية، يفقد المجتمع بوصلته الأخلاقية، وتتراجع الثقة بين أفراده ومؤسساته، ويصبح الظلم قابلاً للتبرير ما دام يخدم أصحاب النفوذ أو يتوافق مع انتماءات الجماعة.
إن الخروج من هذا المأزق يقتضي مشروعاً ثقافياً وتربوياً وفكرياً يعيد الاعتبار للعقل النقدي، ويؤسس لمواطنة جامعة تتقدم فيها قيمة الإنسان على الانتماءات الفرعية، وتُحترم فيها التعددية من دون أن تتحول إلى ذريعة للتمييز أو الإقصاء.
كما يتطلب بناء وعي ديني معتدل يحرر القيم الروحية من التوظيف النفعي، ويجعل العدل والرحمة والكرامة الإنسانية مبادئ لا تخضع للمساومة، إلى جانب دولة قانون تضمن المساواة وتحاسب الجميع دون استثناء.
ولعل الخطوة الأولى في هذا الطريق أن نكفّ عن مطالبة الآخرين بما لا نلتزم به، وأن نبدأ بمساءلة ذواتنا قبل محاكمة غيرنا؛ فالديمقراطية التي لا تُمارَس في البيت، والحرية التي لا تُحترم في مواجهة المختلف، والعدالة التي تتغير بتغير هوية الضحية، ليست سوى مفاهيم منقوصة.
إن المعيار الأخلاقي الحقيقي لا يُختبر حين نحكم على من نختلف معه، بل حين نكون مستعدين لتطبيقه على أنفسنا وعلى من نحب وننتمي إليهم. فالعدالة التي تتجزأ ليست عدالة، والحرية التي تستثني الآخر ليست حرية، والإنسانية التي تنتقي ضحاياها تفقد جوهرها.
إن مستقبل مجتمعاتنا لن تصنعه كثرة الشعارات، بل قدرتنا على تحويل المبادئ إلى ممارسة، والقيم إلى سلوك، والاختلاف إلى فضاء للتعايش؛ عندها فقط نغادر ثقافة الكيل بمكيالين، ونخطو نحو مجتمع لا تكون فيه العدالة امتيازاً، بل حقاً متساوياً للجميع.