في لحظةٍ مفصلية من تاريخ غزة، حيث ما زال الركام شاهدًا على واحدة من أبشع الحروب، وحيث ينتظر الشعب الفلسطيني من يضمد جراحه لا من يستثمر ألمه، اتخذت حركة حماس موقفًا لا يمكن وصفه إلا بأنه انقلاب سياسي على أولويات الشعب.
فبينما رفضت الحركة دخول السلطة الفلسطينية، باعتبارها الممثل الشرعي والمعترف به دوليًا للشعب الفلسطيني، فتحت الأبواب على مصراعيها للمندوب السامي الأمريكي، في مشهدٍ صادم لا يمكن تبريره لا بالمقاومة ولا بالسيادة ولا حتى بالبراغماتية السياسية.
أي منطق هذا الذي يرفض الشريك الوطني ويحتضن الراعي التاريخي للاحتلال؟
إن رفض حماس لدور السلطة الفلسطينية في غزة، في هذه اللحظة تحديدًا، لا يعني سوى أمر واحد: التخلّي عن فكرة الوحدة الوطنية، وتكريس الانقسام كخيار دائم، حتى ولو كان الثمن هو تسليم مفاتيح القطاع للإدارة الأمريكية، بشكل مباشر أو غير مباشر.
الأخطر من ذلك، أن هذا السلوك يمنح الولايات المتحدة—التي لم تُخفِ يومًا انحيازها المطلق لإسرائيل—دور الوصي السياسي والاقتصادي على غزة، ويحوّل ملف الإعمار من حق وطني إلى أداة ضغط وابتزاز، تُدار وفق المصالح الأمريكية لا وفق احتياجات أبناء غزة.
إن إعمار غزة ليس مشروعًا إنسانيًا مجردًا، بل قضية سيادة وقرار وطني، ولا يمكن فصله عن الإطار الفلسطيني الجامع. ومن هنا، فإن أي لجنة فلسطينية وطنية لمتابعة الإعمار يجب أن تكون منبثقة عن الشرعية الفلسطينية، وتعمل بشفافية، وبعيدًا عن أي وصاية خارجية، خصوصًا من طرفٍ كان شريكًا في الحصار، وصامتًا—إن لم يكن متواطئًا—أمام المجازر.
ما تفعله حماس اليوم ليس “حماية للمقاومة” كما تدّعي، بل تفريغ لها من مضمونها الوطني، وتحويلها إلى ورقة تفاوض تُدار من خارج السياق الفلسطيني، وعلى حساب شعبٍ دفع دماءه وأطفاله ومستقبله ثمنًا للصمود.
الشعب الفلسطيني لم يصمد ليُسلَّم قراره لواشنطن، ولم يضحِّ ليُدار إعمار بيته من السفارات الأمريكية، ولم يواجه الاحتلال ليُقصى ممثلوه الشرعيون عن دوره في إعادة البناء.
إن أخطر ما في هذا المسار، أنه يكرّس فكرة أن غزة كيان منفصل، وأن مستقبلها يُرسم خارج الإجماع الوطني، وهو بالضبط ما سعت إليه إسرائيل لعقود.
من هنا، فإن الوقوف مع اللجنة الفلسطينية الوطنية لإعادة إعمار غزة ليس موقفًا سياسيًا فحسب، بل واجب وطني وأخلاقي، في مواجهة محاولات اختطاف القرار الفلسطيني، سواء تحت راية الاحتلال أو تحت غطاء “الوساطة الأمريكية”.
غزة تحتاج وحدةً لا وصاية، وشرعيةً لا بدائل، وإعمارًا وطنيًا لا إدارة أجنبية.
وأي مسارٍ يخالف ذلك، مهما كانت شعاراته، هو مسارٌ ضد مصلحة الشعب الفلسطيني، وضد تضحياته، وضد مستقبله






