جاري التحميل...

حين حضرت فلسطين… وخلت المقاعد أمام نتنياهو

بقلم: فراس عطيه الطيراوي – شيكاغو

 

هناك لحظات في السياسة لا تحتاج إلى كثير من الشرح. صورة واحدة قد تقول ما لا تقوله عشرات الخطب والبيانات.

وهذا ما حدث في الأمم المتحدة.

ظهر الرئيس الفلسطيني محمود عباس، أبو مازن، على الشاشة من رام الله، بعدما لم يتمكن من الحضور إلى نيويورك. تحدث باسم شعب ما زال يطالب بحريته واستقلاله وحقه في تقرير مصيره، وقال للعالم بوضوح إن الفلسطينيين لن يغادروا وطنهم، ولن يقبلوا التهجير، ولن يسمحوا لأحد بأن يقرر مستقبلهم نيابة عنهم.

انتهت الكلمة وجاء التصفيق.

ثم جاء المشهد الآخر.

صعد بنيامين نتنياهو إلى منبر الأمم المتحدة، فبدأ الانسحاب الجماعي من القاعة. غادر المندوبون بأعداد كبيرة، حتى أصبحت غالبية مقاعد القاعة خالية، في مشهد وثقته الكاميرات أمام العالم.

 

صورتان من المكان نفسه، لكن بينهما الكثير من المعاني.

 

محمود عباس لم يصل إلى المنبر، لكن فلسطين وصلت.

ونتنياهو وصل إلى المنبر، فإذا بالقاعة تفرغ من حوله.

 

هنا لا أتحدث عن انتصار سياسي يصنعه تصفيق، ولا عن هزيمة يحسمها مقعد فارغ. السياسة أكثر تعقيدا من ذلك. لكن من الخطأ أيضا تجاهل لغة الصورة وما حملته من رسالة.

 

قد يختلف البعض مع  الرئيس محمود عباس في السياسة، وفي إدارة السلطة، وفي خيارات اتخذها خلال سنوات طويلة، وهذا حق لكل فلسطيني. لكن الاختلاف شيء، والإنصاف شيء آخر.

 

والإنصاف يقتضي أن نقول إن الرجل حمل واحدة من أثقل قضايا العالم في واحدة من أصعب مراحلها.

 

ولهذا أراه أيوب فلسطين.

 

ليس لأنه فوق النقد، ولا لأن تجربته السياسية خالية من الأخطاء. بل لأنه صبر طويلا، وتحمل الكثير، وبقي رغم كل ما تغير حوله متمسكا بفلسطين وحق شعبها في الحرية والاستقلال.

 

تعاقبت الإدارات الأميركية، وتغيرت الحكومات الإسرائيلية، واندلعت الحروب، واتسع الاستيطان، وتعقد المشهد الفلسطيني والعربي والدولي. ومع ذلك بقي أبو مازن يحمل الملف الفلسطيني إلى العالم، ويقول إن لهذا الشعب وطنا وحقوقا، وإن السلام الحقيقي لا يمكن أن يقوم على إنكار الفلسطيني أو إلغاء وجوده.

 

في خطابه الأخير لم يستخدم لغة الانتقام، ولم يدع إلى إلغاء شعب آخر. قال إن الفلسطيني يريد أن يعيش حرا على أرضه، وأن تكون له دولته وكرامته ومستقبله.

 

قد يرى البعض في التمسك بالقانون الدولي والمفاوضات ضعفا، وقد يناقش آخرون جدوى هذا الطريق بعد كل هذه السنوات. لكن هناك حقيقة لا يمكن تجاهلها: أن تتمسك بحقك حين تكون موازين القوة ضدك، وأن ترفض التخلي عنه رغم سنوات الاحتلال والضغط، هو أيضا شكل من أشكال الصمود.

 

من هنا يأتي وصف «أيوب فلسطين».

 

رجل بلغ من العمر ما بلغ، وعاصر الحروب والانتفاضات والانقسامات والحصار السياسي، ورأى العالم يتغير من حوله مرات كثيرة، لكنه بقي يقول: نحن هنا، وهذه أرضنا، ونريد دولتنا وحريتنا.

 

وفي الجهة الأخرى كانت صورة مختلفة.

 

نتنياهو على منبر الأمم المتحدة، والقاعة تفرغ من حوله.

 

لم يحتج أولئك الدبلوماسيون الذين غادروا إلى خطابات مضادة. مغادرة القاعة أمام كاميرات العالم كانت في حد ذاتها رسالة سياسية.

 

وتزداد دلالة المشهد عندما نتذكر أن نتنياهو ما زال موضوع مذكرة توقيف صادرة عن المحكمة الجنائية الدولية. نعم إنها  حقيقة قانونية قائمة لا يمكن تجاهلها.

 

وهنا نصل إلى جوهر المسألة:

 

الفرق بين القوة والحق.

 

يمكن للقوة العسكرية أن تفرض واقعا على الأرض. يمكنها أن تقيم حاجزا، وأن تحاصر مدينة، وأن تصادر أرضا، وأن تحمي مستوطنة.

 

لكن هناك شيئا لا تمنحه القوة العسكرية لأحد:

 

الشرعية.

 

ولهذا كانت صورة الأمم المتحدة مهمة.

 

ليس لأن التصفيق سيحرر فلسطين غدا، ولا لأن خروج الوفود سيزيل الاحتلال. الفلسطينيون يعرفون أكثر من غيرهم أن طريق الحرية أطول وأصعب من ذلك.

 

لكن الصراع ليس عسكريا فقط.

 

هناك معركة على القانون، وعلى الرواية، وعلى الذاكرة، وعلى حق شعب في ألا يتحول إلى رقم أو خبر عابر.

 

وفي تلك القاعة ظهرت المفارقة بكل وضوح.

 

رئيس فلسطين لم يكن موجودا جسديا في نيويورك، لكن صوته وصل.

 

ورئيس الحكومة الإسرائيلية وصل بنفسه إلى نيويورك، لكن القاعة بدت شبه خالية من حوله بعدما غادرها المندوبون بأعداد كبيرة.

 

فمن كان حاضرا فعلا في تلك اللحظة؟

 

ربما كان هذا هو السؤال الأهم.

 

لقد حاول أبو مازن أن يقول للعالم شيئا بسيطا: نحن لسنا شعبا يبحث عن وطن بديل. نحن شعب له وطن، وله تاريخ، وله ذاكرة، وله حق في أن يعيش حرا على أرضه.

 

وهذه الرسالة لا تحتاج إلى صراخ.

 

فلسطين لا تطلب من العالم صدقة، ولا تبحث عن منة من أحد. هي تطالب بحق سياسي وإنساني وقانوني: أن يعيش شعبها بحرية وكرامة، وأن يقرر مستقبله بنفسه.

 

ولهذا، عندما صفق الحاضرون، لم أر في المشهد تصفيقا لرجل فقط.

 

رأيت تصفيقا لفلسطين التي حملها الرجل في خطابه.

 

ورأيت في المقاعد التي خلت أثناء خطاب نتنياهو رسالة أخرى لا تحتاج إلى مترجم.

 

ويبقى أبو مازن، بالنسبة لي، أيوب فلسطين.

 

اختلفوا معه، انتقدوه، وحاسبوا تجربته السياسية، فهذا حق لا يناقش. لكن لا تنكروا على الرجل صبره، ولا السنوات التي حمل فيها فلسطين على كتفيه، في زمن لم يكن حملها سهلا.

 

وفي ذلك اليوم، اختصرت الأمم المتحدة المشهد في صورتين:

 

أبو مازن تحدث من رام الله، فحضرت فلسطين في نيويورك.

ونتننياهو تحدث من قلب نيويورك، فغادرت الوفود أمامه.

 

وبين التصفيق والمقاعد الخالية، بقيت حقيقة أقدم من كل الحكومات وأطول عمرا من كل الاحتلالات:

 

القوة قد تفرض واقعا لبعض الوقت، لكنها لا تستطيع أن تلغي حق شعب في وطنه وحريته.

 

فراس الطيراوي – كاتب وناشط سياسي، وأمين سر الشبكة العربية للثقافة والرأي والإعلام – شيكاغو