هذا الصباح لم أفعلها ولم أقف أمام المرآة لادرب وجهي المرهق العابس على التبسم ولم أحاول أن أُقنع عضلاتي بأن الحياة أخف مما تبدو فتركت وجهي كما هو متعبًا صادقًا بلا تمثيل.
جلست أمام الحاسوب والأوراق مبعثرة كعادتها والخرابيش تنتظرني كي أكتبها فتخفف عن صدري وعن صدور كثيرين ممن يشبهونني أو أشبههم أنا .
لكن شيئًا في داخلي كان خائرًا كأن النفس التي اعتدت أن أُجادلها كل صباح قررت اليوم أن تُغلق بابها عليّ!!!
قلت لها: ما بك؟؟؟؟
فأجابتني بهدوء مربك دعني أنصحك نصيحة، لا تخرج اليوم إلى العالم الخارجي فهو مزدحم نعم ولكنه موحش ومضاء نعم لكنه معتم ومليء بالمحاكم ولكنه فقير بالأخلاق.
استفزني جوابها وقلت لها ،ولماذا الأخلاق تحديدًا؟
قالت: لأن كل ما نعيشه من كوارث متتالية في فلسطين التي تُرهقها السياسة كما يُرهقها الكثير من العوامل وفي مجتمع يئن تحت ضغط الاقتصاد والخوف والانتظار ليس سببه قلة المال وحدها ولا قلة الإمكانات ولا حتى كثرة الخصوم بل غياب الأخلاق عند من يفترض أنهم في الأعلى.
ثم سكتت قليلًا وأضافت أليس التنظيف يبدأ من أعلى الدرج ؟؟فكيف نطلب من القاعدة أن تكون مطمئنة إذا كان السقف مهتزًا !!!!
صمتُّ….وتأملت
لأنني لا أريد أن أتهم كل من يعمل في الشأن العام ،ففيهم الصادق وفيهم النزيه وفيهم من يسهر على هموم الناس أكثر مما يسهر على نفسه .لكن النفس كانت تتحدث عن معيار لا عن أشخاص.
كانت تقول إن أول الشروط لتولي أي مهمة عامة ليس الذكاء ولا الحضور ولا القدرة على إدارة الملفات بل هو الأخلاق والخلاق فقط .
فالأخلاق التي تمنع الظلم قبل أن يحتاج الناس إلى شكوى والأخلاق التي تجعل القرار ثقيلًا على صاحبه إن مسَّ إنسانًا بسيطًا والأخلاق التي تشعر الموظف والمواطن أن من يقوده يرى فيه إنسانًا لا عبثا ..
أنا اليوم لم أستطع الابتسام لأنني شعرت أنني أتعب من محاولة تجميل المشهد أكثر مما أتعب من المشهد نفسه، وتخمينًا لا يقينًا أعتقد أن كل فلسطيني يستيقظ مثلي أحيانًا يحاول أن يقنع نفسه بأن الأمور بخير ثم يجد نفسه يحاور داخله المحبوس في ظلمات الصدر ….
لكن رغم كل ذلك لم تقل لي نفسي أن أكره ولم تقل لي أن أهاجم ولم تقل لي أن أعمّم….
قالت فقط نادِ بالأخلاق واجعلها أول المتطلبات واجعلها شرطًا يتقدّم على كل شرط فإن صلحت في الأعلى خفّ العبء عن الأسفل…
عندها فقط قد أعود غدًا إلى المرآة وأبتسم دون أن أُدرّب وجهي على ذلك
إنما الأمم الأخلاق ما بقيت ….






