جاري التحميل...

حين غابت العصافير

بقلم: آلاء أكرم العقاد – خانيونس

لا أستطيع أن أصف ذلك الصباح الذي استيقظت فيه على صوت الانفجارات، بدلًا من أن أستيقظ على صوت العصافير التي اعتادت أن تغرّد كل صباح.

كان كل شيء مختلفًا.

فتحت عينيّ على ارتجاف النوافذ، وعلى صوتٍ هزّ جدران البيت، فجلست في سريري للحظات، أحاول أن أفهم ما يحدث. كنت أبحث عن صوت العصافير بين الضجيج، عن أي شيء يخبرني أن هذا مجرد كابوس وسينتهي عندما أفتح عينيّ جيدًا.

لكنني كنت مستيقظًا.

اليوم ليس كعادة الأيام.

نهضت ببطء، واتجهت نحو النافذة. لم تكن السماء كما أعرفها. كان الدخان يملأ المكان، والهواء يحمل رائحة الخوف. نظرت إلى الشارع الذي كان بالأمس مليئًا بأصوات الناس وضحكات الأطفال، فإذا به صامتًا إلا من أصوات الانفجارات البعيدة.

تذكرت صباحاتنا القديمة…

كان أبي يفتح النافذة، فتدخل أشعة الشمس إلى الغرفة. وكانت أمي تعدّ لنا الإفطار، بينما كنت أراقب العصافير وهي تقفز فوق الأشجار وتغرد وكأن العالم خُلق فقط ليكون جميلًا.

 

أما اليوم، فقد صرت أعدّ الانفجارات بدلًا من العصافير.

واحد…

اثنان…

ثم صمت قصير.

كنت أتمنى لو يعود صوت العصافير، ولو لدقيقة واحدة فقط.

اقتربت من النافذة، ورفعت عيني نحو السماء. كانت ملبدة بالدخان، لكنني ظللت أبحث عن طائر صغير، عن جناحين يعبران السماء، عن أي علامة تقول إن الحياة ما زالت هنا.

وفجأة، سمعت تغريدة خافتة.

توقفت أنفاسي.

التفتُّ نحو الشجرة المقابلة للمنزل، فرأيت عصفورًا صغيرًا يقف على غصنٍ مرتجف.

ابتسمت رغم خوفي.

كان صوته ضعيفًا، لكنه كان موجودًا.

وفي تلك اللحظة فهمت أن الصباح، مهما أثقلته الحرب، لا يستطيع أن يمنع الحياة من محاولة البدء من جديد.

قلت لنفسي:

“ربما لم يعد هذا الصباح يشبه الصباحات التي عرفناها… لكن ما دام هناك عصفور يغرد، فلا يزال هناك أمل.”

ثم أغلقت النافذة، وعدت إلى الداخل، وأنا أحمل في قلبي أمنية واحدة:

أن يأتي صباحٌ جديد، أستيقظ فيه على صوت العصافير، لا على صوت الانفجارات.

 

 

– الورقة الضائعة بين الركام

 

وقفتُ أمام بيتي المهدّم، أراقب الأوراق المبعثرة التي تطايرت في الهواء واستقرّ بعضها بين الركام. كان قلبي مثقلًا بالحزن، لكنّ شيئًا واحدًا شغل تفكيري وألحّ عليّ: أين ورقتي؟

بدأتُ أبحث عنها بين الحجارة المتناثرة، وأزيح بيدي قطع الخشب والغبار، وأتفحّص كل ورقة تقع عيناي عليها. كنتُ أرفع الورقة بحذر، وأنفض عنها التراب، ثم أقلبها بلهفة، لعلّها تكون الورقة التي أبحث عنها، لكنّني في كل مرة كنتُ أكتشف أنّها ليست هي.

لم تكن تلك الورقة مجرّد ورقة عادية، بل كانت تحمل كلماتٍ عزيزة على قلبي، وذكرياتٍ أخشى أن أفقدها إلى الأبد. لذلك لم أستطع التخلّي عن البحث عنها، رغم التعب والغبار اللذين غطّيا يديّ وثيابي.

انتقلتُ من زاوية إلى أخرى، وفتّشتُ بين الحجارة الكبيرة وتحت الألواح المتكسّرة، حتى كدتُ أفقد الأمل. كانت الرياح تحرّك الأوراق من حولي، فأسرع نحو كل ورقة تتطاير، ظنًّا منّي أنّها ورقتي الضائعة. لكنّني كلما اقتربتُ منها، اكتشفتُ أنّها ورقة أخرى لا تحمل ما أبحث عنه.

جلستُ للحظات فوق حجرٍ مهدّم، ألتقط أنفاسي، ثم نهضتُ من جديد. قلتُ في نفسي: «لا بدّ أن أجدها، لا يمكن أن تضيع هكذا!». وعدتُ إلى البحث، أفتّش بين الركام بعينين متعبتين وقلبٍ معلّق بأملٍ صغير.

مرّت الساعات، والشمس تميل نحو المغيب، لكنّ الورقة لم تظهر. نظرتُ إلى المكان الذي كان بيتي، ثم إلى الأوراق المبعثرة حولي، وشعرتُ بعجزٍ كبير. لقد بحثتُ في كل زاوية استطعتُ الوصول إليها، ومع ذلك لم أجدها.

غادرتُ المكان وأنا ألتفت خلفي، لعلّ عيني تلمحانها بين الأنقاض. لم أعثر على الورقة، وظلّ سؤالٌ واحد يرافقني: أين اختفت؟ وهل سأجدها يومًا بين هذا الركام؟

ومنذ ذلك اليوم، بقي البحث عن الورقة حكايةً لم تنتهِ، وأملًا أتمسّك به كلما تذكّرتُ ما فقدته تحت الأنقاض.