أعترف أنني، وأنا أسمع جلالة الملك عبدالله الثاني يتحدث أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، اختلطت عليَّ الصور.
للحظةٍ خاطفة، سألت نفسي:
هل هذا ياسر عرفات وقد تبدّلت هيئته؟
أم أن الملك عبدالله يتحدث بلسان أبي عمار؟
ثم تراجعت عن السؤال كله.
فلا فرق.
لأن فلسطين، حين تسكن الرجل، لا تسأله عن اسمه ولا عن تاجه ولا عن موقعه في الجغرافيا.
تبحث فقط عن صوتها.
والجميل أن هذا الصوت جاء في اللحظة التي كان فيها صوت فلسطين نفسه ممنوعًا من الوصول إلى نيويورك.
أبو مازن، رئيس دولة فلسطين، الذي اعتاد أن يحمل فلسطين إلى هذا المنبر عامًا بعد عام، لم يُسمح له هذه المرة أن يكون هناك.
وهنا يصبح المشهد أكبر من خطاب.
فحين غاب أبو مازن عن القاعة، لم تغب فلسطين.
وحين تعذّر على الرئيس أن يقول ما كان يريد قوله أمام العالم، وجدنا ملك الأردن يقف، ويتكلم، ويرفع فلسطين من جديد إلى حيث يجب أن تكون: في قلب الكلام، لا على هامشه.
وهنا فهمت لماذا شعرت أن في صوت عبدالله الثاني شيئًا من أبي عمار.
ليس لأن الرجلين متشابهان.
بل لأن فلسطين تعرف ذلك النوع من الكلام الذي لا يحتاج إلى إذن.
ذلك الكلام الذي لا يخرج من قاموس الدبلوماسية، وإنما من مكان أعمق، من الإيمان بأن هناك حقًا لا يجوز أن يتحول إلى وجهة نظر، وشعبًا لا يجوز أن يتحول إلى فائض بشري، ومدينةً اسمها القدس لا يجوز أن تصبح مجرد بندٍ في بيان.
وقف الملك الأردني أمام العالم.
وكان يمكن أن يتحدث كملك.
لكنه اختار أن يتحدث كصاحب عهدٍ تاريخي مع فلسطين.
وهذه، في ظني، واحدة من أجمل صور الأردن.
أن يتحدث الهاشمي عن القدس فلا تشعر أن الكلام غريب عن المكان.
وأن يتحدث الأردني عن فلسطين فلا تشعر أنك أمام مجاملةٍ عربية عابرة.
وأن يغيب أبو مازن، فلا يصبح غيابه فراغًا.
بل يتحول إلى مسؤولية حملها صوتٌ آخر.
وهنا لا بد من كلمة حق في حق الأردن، شعبًا وقيادةً وهاشميين.
شكرًا للأردن.
لكنها ليست كلمة شكرٍ عابرة.
شكرًا لأنكم، في لحظةٍ كان يمكن أن يعلو فيها الصمت، اخترتم أن يعلو صوت فلسطين.
شكرًا لأن القدس لم تكن في كلامكم زينةً خطابية.
وشكرًا لأن غزة لم تكن عنوانًا عابرًا.
وشكرًا لأن الفلسطيني، وهو يرى رئيسه ممنوعًا من الوصول إلى المنبر، وجد في ملك الأردن من يقول للعالم إن غياب الفلسطيني عن القاعة لا يعني غيابه عن الحقيقة.
ولجلالة الملك عبدالله الثاني تحديدًا:
شكرًا لأنك لم تتحدث عن فلسطين من فوقها، بل وقفت إلى جانبها.
هذه ليست مجاملة لملك.
هذه شهادة فلسطيني لرجلٍ عربي، حين جاءت اللحظة، عرف أن بعض المواقف لا تحتمل نصف كلمة.
ولأبي مازن أقول:
قد يُمنع الرئيس من الوصول إلى نيويورك،
لكن لا أحد يستطيع أن يمنع فلسطين من الوصول إلى العالم.
فقد تصل عبر رئيسها.
وقد تصل عبر شعبها.
وقد تصل عبر حجرٍ في القدس.
وقد تصل عبر أمٍّ في غزة.
وقد تصل، ذات مساء، من فم ملكٍ هاشمي وقف أمام العالم وقال ما كان ينبغي لفلسطين أن تقوله لو سُمح لصوتها أن يصل.
وهنا ربما، تكمن المفارقة الجميلة في هذه الليلة:
غاب أبو مازن عن المنبر، فحضر خطابه.
وغاب عرفات عن المشهد منذ سنوات، فحضر صوته.
وحضر عبدالله الثاني، لا ليأخذ مكان أحد، وإنما ليؤكد أن فلسطين حين تُغلق في وجهها الأبواب، فإن لها في هذه الأمة أبوابًا أخرى لا تُغلق.
ولهذا، حين التبست عليّ الصورة بين عرفات وعبدالله، أدركت أخيرًا أنني لم أكن أرى رجلًا في رجل.
كنت أرى فلسطين وهي تبحث عن صوتها، فتجده.
مرةً في ياسر عرفات.
ومرةً في محمود عباس.
ومرةً، حين تضيق بها المنابر، في عبدالله الثاني.
وهذه ليست حكاية أشخاص.
هذه حكاية قضيةٍ كلما ظن العالم أنه أسكت صوتها، اكتشف أن فلسطين لا تحتاج إلى ميكروفون كي تُسمَع.
يكفي أن يقف رجلٌ شجاع أمام العالم…
ويقول الحقيقة.