ليست المشكلة في الكذب وحده، ولا في الغباء وحده، بل في تحالفهما الصامت حين يتجسدان في شخص أو خطاب أو حتى منظومة.
عندها لا نكون أمام خطأ يمكن تصحيحه، بل أمام خلل مركّب يُنتج واقعًا زائفًا، ويُدار بثقة مفرطة لا تستند إلى معرفة، وبجرأة لا يقيّدها ضمير.
في السياسة، يصبح هذا المزيج أكثر خطورة. فالكاذب الذكي يمكن كشفه أو محاصرته، والغبي الصادق يمكن احتواؤه أو توجيهه. أما حين يجتمع الغباء بالكذب، فنحن أمام فاعل لا يدرك حدود جهله، ولا يعترف بخطئه، ويصرّ على تسويق أوهامه كحقائق.
هنا تتحول السياسة إلى مسرح للادعاء، وتُستبدل الوقائع بالسرديات، ويُدار الشأن العام بمنطق الارتجال والتبرير.
الأخطر أن هذا النمط لا يعمل منفردًا، بل يجد بيئات حاضنة:
جمهور مُرهق أو مُضلَّل، مؤسسات ضعيفة، وإعلام قابل للتوجيه.
في هذه البيئة، لا يعود الكذب عيبًا، بل أداة، ولا يعود الجهل نقصًا، بل غطاءً.
وهكذا تتكرّس ثقافة تبرّر الفشل، وتعيد إنتاجه، وتُقصي الكفاءة لصالح الولاء والضجيج.
وعلى المدى البعيد، تكون الكلفة باهظة:
قرارات خاطئة، أزمات متراكمة، وانهيار تدريجي في الثقة بين المجتمع ومؤسساته.
فالسياسة التي تُبنى على جهل مُتعمَّد وكذب مُمنهج لا يمكن أن تُنتج استقرارًا، بل تُراكم هشاشة تُخفيها الشعارات إلى أن تنكشف دفعة واحدة.
مواجهة هذا الخطر لا تكون بالشعارات المضادة، بل بإعادة الاعتبار لمعيارين بسيطين في ظاهرهما عميقين في أثرهما:
الحقيقة والكفاء ، الحقيقة كقيمة لا تقبل التلاعب، والكفاءة كشرط لا يُستبدل.
وما لم تُحمَ هاتان القاعدتان عبر وعي مجتمعي حيّ ومؤسسات قادرة على المساءلة، سيبقى هذا التحالف بين الغباء والكذب قادرًا على إعادة إنتاج نفسه، بصيغ مختلفة، لكن بالنتائج ذاتها.
في النهاية، ليست المشكلة في وجود هذا النموذج، بل في السماح له بأن يقود. هنا تكمن الكارثة الحقيقية.
د. عبدالرحيم جاموس
الرياض






