ليس في السياسة شيء أخطر من قلب المفاهيم، ولا في التاريخ ما هو أكثر وقاحة من أن يُكافأ الجلاد بمنصة أخلاقية. إن انضمام إسرائيل إلى أي “مجلس للسلام” ليس مجرد حدث بروتوكولي أو دبلوماسي، بل هو جريمة سياسية رمزية، وانتهاك صارخ لمعنى السلام ذاته، وصفعة في وجه غزة وفلسطين وكل الضحايا الذين سقطوا تحت آلة الحرب الإسرائيلية.
كيف يمكن لدولة تمارس الاحتلال العسكري، وتنفذ سياسات التطهير العرقي، وتدمر المدن فوق رؤوس أهلها، وتقتل الأطفال والنساء بلا حساب، أن تجلس في مجلس يُفترض أنه يمثل الضمير العالمي للسلام؟
أي منطق هذا الذي يسمح للمحتل بأن يصبح حكمًا على الضحية، وللمجرم بأن يكتب تعريف العدالة؟
إن ما يسمى “مجلس السلام” ليس مجرد هيئة استشارية أو رمزية، بل هو أداة سياسية تعكس ميزان القوى الدولي. انضمام إسرائيل إليه يعني تبييض سجلها الدموي ومنحها شرعية أخلاقية زائفة، واستخدامها كواجهة لإعادة هندسة الرواية الدولية حول الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.
هذا المجلس، بسياساته الحالية، يبدو أقرب إلى منصة لتدوير الجريمة بدلًا من محاسبتها، وإلى منتدى لتسويق الاستعمار بدلًا من إدانته.
إنه نموذج فجّ لانحراف المؤسسات الدولية حين تُختطف من القوى الكبرى، فتتحول من أدوات عدالة إلى أدوات هيمنة.
لكن الحقيقة المرة التي يجب قولها بوضوح، وبلا مواربة أو شعارات فارغة، هي أن الزلزال السياسي الذي تعيشه القضية الفلسطينية اليوم لم يأتِ من فراغ.
إن ما قامت به حركة حماس في السابع من أكتوبر، دون أي تشاور وطني أو إجماع فصائلي، لم يكن مجرد عملية عسكرية، بل كان قرارًا استراتيجيًا منفردًا فتح أبواب الجحيم على غزة وفلسطين.
لقد قدم ذلك الحدث لإسرائيل الذريعة الذهبية لإطلاق حرب إبادة، وأعاد تشكيل المزاج الدولي بطريقة سمحت لها بأن تنتقل من موقع الاتهام إلى موقع “الشريك في السلام” في مؤسسات دولية كبرى.
وهكذا، بدل أن تُحاصر إسرائيل سياسيًا وأخلاقيًا، وجدناها تُكافأ بعضوية مجالس تُفترض أن تكون حكرًا على دعاة السلام الحقيقيين.
إن إدخال إسرائيل إلى مجلس للسلام بينما لا تزال طائراتها تقصف غزة، وجنودها يحتلون الضفة، ومستوطنيها يبتلعون الأرض الفلسطينية، هو إهانة لكل مفهوم القانون الدولي، ونسف لأي مصداقية أخلاقية للنظام العالمي.
السلام لا يُصنع بالدبابات، ولا يُكتب بالحبر على أنقاض البيوت المدمرة، ولا يُدار من غرف مغلقة تتجاهل صرخات الأطفال تحت الركام.
ومن يجلس على طاولة السلام يجب أن يكون صاحب سجل في السلام، لا صاحب أرشيف في المجازر.
المفارقة الأكثر مرارة أن فلسطين نفسها، الدولة المحتلة، لا تزال تكافح للحصول على اعتراف كامل بحقوقها، بينما إسرائيل، القوة القائمة بالاحتلال، تتقدم إلى مجالس السلام والمؤسسات الدولية بخطى واثقة، مدعومة بالقوة والنفوذ السياسي.
هذا ليس مجرد ظلم سياسي، بل تشويه أخلاقي للتاريخ المعاصر، حيث يُعاد تعريف الجريمة كدفاع عن النفس، ويُعاد تعريف المقاومة كإرهاب، ويُعاد تعريف الاحتلال كشريك سلام.
إن قبول إسرائيل في مجلس السلام هو رسالة واضحة:
القوة تصنع الشرعية، والعدالة تُؤجل إلى أجل غير مسمى، والضحايا يُطلب منهم الصمت باسم الواقعية السياسية.
لكن الرسالة الأهم يجب أن تكون للفلسطينيين أنفسهم:
لا يمكن إدارة القضية الوطنية بعقلية الفصيل الواحد والقرار الفردي. إن أي خطوة غير محسوبة، وأي مغامرة دون إجماع وطني، تتحول إلى فرصة استراتيجية للعدو، وإلى كارثة سياسية على الشعب
إن السلام الحقيقي لا يُبنى بإدخال إسرائيل إلى مجالس السلام، بل بإخراج الاحتلال من فلسطين.
ولا يُبنى بتبييض الجرائم، بل بمحاسبة مرتكبيها.
ولا يُبنى بالخطابات الدبلوماسية، بل بإعادة الحقوق إلى أصحابها.
حين يجلس المجرم في مجلس السلام، فهذا ليس سلامًا… بل إعلان إفلاس أخلاقي للنظام الدولي بأكمله








