لم يعد خافيًا أن بنيامين نتنياهو واليمين الصهيوني المتغطرس لا يخافون السلاح بقدر ما يخافون الرمز، ولا يرتعبون من الفعل بقدر ما ترتعد أوهامهم من المعنى. فرفض رفع شعار السلطة الفلسطينية أو أي رمز وطني فلسطيني في غزة ليس تفصيلًا إجرائيًا ولا خلافًا شكليًا، بل هو اعتراف فاضح بحقيقة يدركونها جيدًا: أن الرمز الفلسطيني هو إعلان وجود، وأن وجود الفلسطيني هو نفيٌ أبديّ للمشروع الاستعماري الصهيوني.
يعلم نتنياهو ورفاقه أن العلم الفلسطيني ليس قطعة قماش، وأن الشعار ليس ديكورًا سياسيًا، بل هو خلاصة تاريخ مكتوب بالدم الفلسطيني، وبالصمود في المخيمات، وبالأسرى في الزنازين، وبالشهداء الذين ارتقوا ليبقى الوطن حاضرًا. لذلك يخيفهم الرمز، لأنه يختصر الرواية، ويفضح الكذبة، ويؤكد أن هذه الأرض لها شعب، وهذا الشعب له هوية، وهذه الهوية لا تموت.
إن اليمين الصهيوني يدرك، رغم صلفه، أن كل محاولة لمحو الرمز هي إقرار بعجزه عن محو الحقيقة. فالمحتل الذي يثق بشرعيته لا يخشى علمًا، ولا يمنع نشيدًا، ولا يصادر اسمًا. أما من يعيش على القلق الوجودي، فيرى في كل لون فلسطيني تهديدًا، وفي كل كلمة “فلسطين” طعنة في قلب روايته المصطنعة.
في غزة، كما في القدس، كما في الضفة والداخل والشتات، يثبت الشعب الفلسطيني أن جذوره أعمق من الجرافات، وأن وعيه أقوى من الحصار، وأن صموده فوق تراب وطنه ليس رد فعل، بل خيار تاريخي. شعبٌ يُقصف بيته فيعيد بناءه، ويُحاصر أطفاله فيصنع منهم حراس الذاكرة، ويُمنع علمه فيرفعه في القلوب قبل الساحات.
إن المقاومة الشعبية الفلسطينية، بكل أشكالها المدنية والسياسية والثقافية، ليست نزوة عاطفية ولا مغامرة، بل مسار طويل من الثبات الواعي. هي مقاومة الإنسان الذي يرفض أن يتحول إلى رقم، أو لاجئ أبدي، أو هامش في خرائط الآخرين. وهي مقاومة تستمد قوتها من عدالة القضية، لا من ميزان القوة المختل.
أما الدولة الفلسطينية، فهي ليست منّة من محتل، ولا نتيجة مفاوضات عبثية بلا مرجعية، بل استحقاق تاريخي، وحق غير قابل للتصرف، ستقوم رغم أنف اليمين الصهيوني، ورغم جدرانه وأسلاكه، وستكون القدس عاصمتها، لا لأنها مدينة مقدسة فحسب، بل لأنها قلب الصراع، وبوصلة الحق، وذاكرة الأمة.
قد ينجح الاحتلال في منع رفع شعار هنا أو علم هناك، لكنه فشل – وسيفشل – في كسر إرادة شعب قرر أن يبقى، وأن يناضل، وأن يورّث أبناءه اسم فلسطين كما يورّثهم الدم واللغة. وحين يخاف المحتل من الرمز، فذلك لأنه يعلم أن الرمز هو بداية النهاية.






