حين يصبح البيت شهيدًا… عامٌ جديد على أنقاض الروح

بقلم :سامي إبراهيم فودة

بمناسبة انطلاقة المارد الفتحاوي، وبداية عامٍ جديد، لا أجد في القلب متّسعًا للتهاني الخفيفة، ولا في الروح قدرة على استقبال الزمن كما لو أنّ شيئًا لم يحدث.
في قلبي غصّة بحجم وطن، وحزن لا تُجيده اللغة ولا تحتويه الكلمات، حزنٌ وُلد من رحم طوفان النكبة، من دمارٍ لم يُبقِ حجرًا على حجر، ولا روحًا دون وجع.
خرابٌ طال البيوت قبل الأجساد، وتشريدٌ سرق من الناس عناوينهم، ونزوحٌ جعل الطريق أطول من العمر.
شهداء ارتقوا وهم يحلمون بالحياة، جرحى يحملون الألم في أجسادهم، أرامل يربّين الصبر قسرًا، أيتام كبروا دفعة واحدة، ومرضى يُصارعون الوجع في وطنٍ مُثقل بالجراح.
ضاعَت معالم كل شيء…
البيوت، الشوارع، الذكريات، وحتى ملامح الغد.
تكسّرت أحلامنا وأمانينا، وسُرق مستقبل أجيالنا في مقامرات الآخرين، حيث يُراهن على دم الفلسطيني بلا ثمن، وكأنّ هذا الدم فائضٌ عن الحاجة.
وأتنفّس اليوم من أعماق قلبي، بكل ألمٍ وحسرة، حقيقة لا تُدرَّس في الكتب:
ضياع البيت ليس فقدان جدران، بل اغتيال للروح.
فالبيت وطنٌ صغير، وحين يُهدم الوطن الصغير، يتصدّع الوطن الكبير داخلنا.
ورغم كل هذا الوجع، نقف…
لا لأننا لا نتألّم، بل لأننا نعرف أن السقوط الأخير ليس قدرنا.
نقف احترامًا لدمٍ لم يجف، ولأرواحٍ ما زالت تُنير الطريق، ولشعبٍ تعلّم أن يحوّل الألم إلى معنى، والخسارة إلى ذاكرة لا تموت.
في هذا العام الجديد، أتقدّم بكل المحبة والاحترام، لا بالتهاني التقليدية، بل بالدعاء الصادق:
السلام لأهل الشهيد،
والسلام للجريح الذي ما زال يقاوم،
والسلام للأسير الذي يحمل الوطن في زنزانته،
والسلام للأرملة التي تصنع الحياة من العدم،
والسلام لليتيم الذي كبر قبل أوانه.
هذا عامٌ جديد…
لكننا لسنا صفحةً بيضاء،
نحن شعبٌ كُتب بالألم، ويُكمل الطريق بالأمل، مهما حاولوا اقتلاعه.