تخيل أن تُولد في مكانٍ لم ترَ فيه الشمس يومًا.
أن تفتح عينيك على عالمٍ لا حدود له إلا جدار، ولا حقيقة فيه إلا ما ينعكس على ذلك الجدار من ظلال.
تكبر وأنت تتعلم أسماء الأشياء من صورها، لا من حقيقتها. تصادق الظلام حتى يصبح مألوفًا، وتأنس بالقيود حتى تنسى أنها قيود.
ومع مرور السنوات، لا يعود السؤال: أين الطريق إلى الخارج؟
بل يصبح السؤال الأخطر:
هل يوجد خارجٌ أصلًا؟
ففي الأماكن التي يطول فيها الظلام، لا يعود الإنسان بحاجة إلى من يمنعه من الخروج، لأنه يبدأ بمنع نفسه.
وهنا تكمن المأساة الكبرى…
أن يتحول السجن إلى فكرة، وأن تصبح القيود جزءًا من الوعي، وأن يدافع الإنسان عن الجدار الذي يحجب عنه الحياة.
هذا ما أدركه أفلاطون قبل أكثر من ألفي عام حين روى أسطورة الكهف؛ عن أناسٍ عاشوا مقيدين لا يرون من العالم إلا ظلالًا تتحرك أمامهم، فظنوها الحقيقة كلها.
حتى جاء أحدهم وخرج.
في البداية آلمه الضوء.
أغمض عينيه أمام الشمس، وتراجع أمام الحقيقة التي لم تعتدها روحه.
لكنه شيئًا فشيئًا بدأ يرى.
رأى أن العالم أكبر من الجدار، وأن الأشياء أجمل من ظلالها، وأن العمر الذي قضاه في الكهف كان عمرًا مسروقًا من المعرفة والحياة.
فعاد إلى رفاقه، لا ليتكبر عليهم، ولا ليقول لهم إنه أفضل منهم، بل لأنه أحبهم وأراد لهم ما رأى.
لكنهم لم يستقبلوه بالفرح.
اتهموه بالجنون.
سخروا منه.
وربما كرهوا نوره، لأن الإنسان أحيانًا لا يخاف الظلام، بل يخاف الحقيقة التي تكشف له كم عاش فيه.
قبل أكثر من ألفي عام كتب أفلاطون هذه الحكاية، لكنه لم يكن يعلم أن الكهوف لا تُبنى دائمًا من الحجارة، وأن أكثرها خطورة تلك التي تُبنى داخل العقول.
فقد يكون الكهف فكرةً نرفض مراجعتها.
وقد يكون خطابًا نردده دون أن نسأل.
وقد يكون انقسامًا اعتدناه حتى ظنناه قدرًا.
وقد يكون خوفًا يمنعنا من الاعتراف بأن الطريق الذي سرنا فيه طويلًا يحتاج إلى مراجعة.
وفلسطين…
ليست بعيدة عن هذه الأسئلة.
فنحن شعبٌ عرف معنى القيود، وعرف معنى أن يُحاصر الإنسان في أرضه وحريته وأحلامه، لكنه يعرف أيضًا أن أصعب القيود ليست دائمًا تلك التي تُرى بالعين، بل تلك التي تُزرع في الروح.
أخطر ما يمكن أن يصيب وطنًا ليس فقط أن يُغلق عليه بابٌ من الخارج، بل أن يعتاد بعض أبنائه العيش خلف الأبواب المغلقة.
أن تصبح الخلافات أهم من الوطن.
أن تصبح المصالح الصغيرة أكبر من الحلم الكبير.
أن يصبح الصمت أكثر راحة من قول الحقيقة.
أن نخاف من الضوء لأنه يكشف ما نريد إخفاءه.
لكن الخروج من الكهف ليس سهلًا.
فالذين عاشوا طويلًا في العتمة يحتاجون إلى شجاعة حتى يواجهوا الشمس.
والشعوب لا تُنقذها كثرة الشعارات، بل قدرتها على رؤية نفسها بصدق. وأن تعرف أخطاءها دون أن تفقد إيمانها وأن تنتقد واقعها دون أن تفقد حبها لوطنها.
فلسطين لا تحتاج إلى مزيد من الجدران.
تحتاج إلى نوافذ.
تحتاج إلى عقول حرة ترى أبعد من الظلال، وقلوب تؤمن أن المستقبل لا يُصنع بتكرار الماضي، بل بامتلاك الشجاعة لتغييره.
فربما يكون السؤال الذي يجب أن نطرحه جميعًا ليس:
من صنع لنا الكهف؟
بل:
كم من الوقت سنبقى داخله ونحن نعرف أن الباب مفتوح؟
لأن أخطر السجون ليست تلك التي تمنع الإنسان من الخروج…
بل تلك التي يقنع فيها الإنسان نفسه أنه لا يريد الخروج.
فحين يصبح الظل وطنًا…
تصبح الشمس ثورة.
بقلم:شادي عياد