ليس تدمير مقرّ تابع للأمم المتحدة في القدس المحتلة حدثًا عابرًا في سجلّ الانتهاكات الإسرائيلية، ولا يمكن اختزاله في ذريعة أمنية أو ظرف ميداني طارئ. إنّه فعل سياسي مدروس، ورسالة صادمة، ومؤشر خطير على مرحلة جديدة من الصراع، عنوانها: كسر ما تبقّى من هيبة القانون الدولي، وفرض السيادة بالقوة العارية.
عندما تُستهدف مؤسسة أممية في القدس، المدينة التي لا تزال – وفق القانون الدولي – أرضًا محتلة، فإن الأمر يتجاوز الفلسطينيين ليصيب جوهر النظام الدولي نفسه. فالأمم المتحدة، بكل ما تمثّله من قرارات ومواثيق وشرعية، تُهان علنًا، ويُرفع فوق أنقاضها علم الدولة القائمة على خرق تلك القرارات.
القدس: معركة السيادة على القانون
رفع العلم الإسرائيلي على موقع أممي في القدس ليس مجرد استعراض رمزي، بل هو إعلان سيادة قسرية، ورسالة واضحة مفادها أن إسرائيل لا تعترف لا بالأمم المتحدة ولا بقراراتها، ولا بوضع القدس القانوني، ولا بأي مرجعية سوى القوة.
إنه سلوك يعكس انتقال الاحتلال من سياسة “تجاهل القرارات الدولية” إلى سياسة تحطيم رموزها علنًا. فالقدس، التي يفترض أن تكون مدينة ذات وضع خاص إلى حين الحل النهائي، يُعاد تشكيلها بالقوة كعاصمة خالصة للاحتلال، تُقصى منها أي صفة دولية أو حيادية.
استهداف اللاجئين عبر استهداف المؤسسات
إذا كان المقر المستهدف مرتبطًا بوكالة أو برنامج أممي يُعنى باللاجئين الفلسطينيين، فإن الرسالة تصبح أكثر وضوحًا وخطورة:
تصفية قضية اللاجئين تبدأ بتفكيك الشاهد الدولي عليها.
الأونروا، وسواها من المؤسسات الأممية، ليست مجرد مزوّد خدمات، بل تمثّل اعترافًا دوليًا مستمرًا بجريمة التهجير وبحق العودة. وتدمير مقارها، أو ترهيبها، أو إخراجها من القدس، هو محاولة لشطب هذا الاعتراف، وتحويل اللاجئين إلى ملف إنساني بلا جذور سياسية أو قانونية.
اختبار للمجتمع الدولي
ما حدث ليس فقط اعتداءً على الفلسطينيين، بل اختبار فاضح للمجتمع الدولي:
هل لا تزال الأمم المتحدة كيانًا يُحترم، أم أصبحت مجرد اسم يُستخدم حين يناسب الأقوياء ويُداس حين يعيقهم؟
البيانات التقليدية التي تعبّر عن “القلق” أو “الأسف” لم تعد ذات قيمة. الصمت أو التراخي في الرد سيُقرأ في تل أبيب باعتباره تفويضًا مفتوحًا لمزيد من الانتهاكات، ليس في القدس وحدها، بل ضد أي وجود دولي لا يخضع لشروط الاحتلال.
ما المطلوب الآن؟
الموقف الدولي المطلوب لا يحتاج إلى اختراع جديد، بل إلى حدّ أدنى من الشجاعة السياسية:
• إدانة صريحة وواضحة لما جرى باعتباره اعتداءً على مؤسسة دولية.
• حماية الوجود الأممي في القدس بدل الانسحاب تحت الضغط.
• تحميل الاحتلال مسؤولية قانونية وسياسية عن الاستهداف.
• الدفاع عن وكالة الأونروا كجزء من الدفاع عن حق العودة، لا كعبء إنساني.
كلمة أخيرة
حين تُقصف مقار الأمم المتحدة، وتُرفع أعلام الاحتلال فوقها، فإن السؤال لم يعد فلسطينيًا فقط، بل عالميًا:
هل ما زال للقانون الدولي معنى؟
إن الدفاع عن مقر أممي في القدس هو دفاع عن القدس، وعن اللاجئين، وعن فكرة العدالة الدولية نفسها.
وأي صمت اليوم، هو مشاركة غير مباشرة في جريمة سياسية تهدف إلى إعادة تشكيل العالم بمنطق القوة، لا بمنطق الحق.









