في غزة لا تُقاس النوايا بالتصريحات، بل بآثار المجنزرات على الأرض، ولا تُختبر الهدن بالبيانات، بل بعدد الطائرات التي تتوقف عن التحليق. وحين يُطلب من شعبٍ محاصر أن يسلم سلاحه قبل أن ينسحب الاحتلال، وقبل أن تُفتح المعابر، وقبل أن تُنشر قوة دولية تحميه، فإننا لا نكون أمام عملية سلام، بل أمام محاولة لنزع آخر أسباب البقاء تحت غطاء السياسة.
ليس أخطر ما في الحروب القنابل، بل الاتفاقات التي تُكتب بالحبر بينما تُنفذ بالدخان. فمنذ الإعلان عن وقف إطلاق النار في مرحلته الأولى، لم تتوقف الاغتيالات ولا الغارات، وكان آخرها استهداف قادة في فصائل المقاومة. هذا السلوك لا يمكن قراءته كحوادث معزولة، بل كرسالة سياسية واضحة: اليد التي تضغط الزناد ما زالت حرة، والهدنة ما زالت بلا أسنان.
في هذا السياق، يجري الترويج لما يسمى “المرحلة الثانية”: لجنة لإدارة قطاع غزة، مجلس للسلام، ترتيبات أمنية جديدة، وحديث عن مستقبل سلاح المقاومة. لكن السؤال البديهي الذي يفرض نفسه: ما قيمة إدارة لا تملك سيادة على المعابر؟ وما معنى سلام لا يسبقه انسحاب؟ وكيف يمكن بناء استقرار دائم فيما السماء ما زالت مفتوحة للطائرات.. والدبابات لم تغادر تخوم المدن والمخيمات؟
المرحلة الثانية، إن لم تُبنَ على انسحاب إسرائيلي كامل من القطاع، وفتح المعابر وعلى رأسها معبر رفح، ونشر قوة دولية بقرار ملزم تحت الفصل السابع، ستبقى مجرد غلاف سياسي لواقع الاحتلال، لا انتقالا حقيقيا إلى ما بعد الحرب.. لجنة بلا حدود بيدها، ولا أمن مستقل، ستكون إدارة أزمة لا إدارة وطن.. ومجلس سلام بلا قوة ردع دولية لن يكون سوى منصة خطابات في فضاء محكوم بالقوة الإسرائيلية.
الأخطر من ذلك هو ما يُلمح إليه في الكواليس: إبقاء الحصار والتضييق المعيشي، ومنع إعادة الإعمار الفعلية، وعرقلة حركة الناس، كأدوات ضغط طويلة الأمد، قد تفضي إلى دفع السكان نحو الهجرة “الناعمة”. قد لا يُعلن هذا المشروع بصيغته الفجة، لكنه يُدار عملياً عبر سياسة خنق بطيء، في ظل غياب التزامات واضحة بالانسحاب وفتح المعابر.
وهنا نصل إلى السؤال المفصلي: إذا التزمت فصائل المقاومة بتسليم سلاحها، وتمكنت من تسليم جثمان الأسير المتبقي، ما الذي يضمن أن لا تُقدم إسرائيل، بعد فترة، على اجتياح واسع، وإعادة احتلال القطاع، وفرض وقائع تهجير جديدة؟ التجربة التاريخية تقول بوضوح إن الضمانات اللفظية لا تصمد أمام تغير موازين القوى، وإن القانون الدولي، دون آليات تنفيذ قسرية، يبقى أخلاقا بلا أنياب.
الضمانة الوحيدة ذات المعنى ليست وعدا أميركيا، ولا رعاية دبلوماسية، بل معادلة ردع قانونية وسياسية: قرار من مجلس الأمن تحت الفصل السابع، ينص على نشر قوة دولية مسلحة بصلاحيات حماية المدنيين، وتأمين المعابر، ومنع أي توغل، مقرون بانسحاب إسرائيلي كامل ومعلن. عندها فقط يصبح أي خرق اعتداء على المجتمع الدولي، لا على غزة وحدها.
من هذا المنطلق، فإن مطالبة المقاومة بتسليم سلاحها قبل تحقق هذه الشروط ليست طلبا سياسيا عادلا، بل مطالبة بنزع درع شعب ما زال تحت التهديد.. السلاح، في جوهره، ليس غاية أيديولوجية، بل نتيجة لغياب الحماية والسيادة. هو أثر للاحتلال، لا سببه. وعندما تزول أسباب وجوده – بالانسحاب، ورفع الحصار، ونشر قوة دولية ضامنة – يصبح النقاش حول ترتيبات الأمن ومستقبل السلاح نقاشا طبيعيا في إطار دولة محمية، لا تحت فوهة الدبابة.
كيف يمكن نقل هذا المنطق إلى الوسطاء العرب والأميركيين؟ ليس بلغة التحدي ولا بالاستجداء، بل ببناء معادلة كلفة سياسية واضحة: نزع السلاح دون حماية دولية يساوي انفجارا مؤجلا، وفشلا للوساطة، وعودة حتمية للحرب. أما الانسحاب مع قوة أممية ملزمة فيعني استقرارا طويل الأمد، يمكن لكل وسيط أن يقدمه إنجازا لا هدنة هشة.
كما أن توحيد الموقف الفلسطيني شرط لا غنى عنه.. سقف سياسي واحد يقول بوضوح لا لبس فيه: لا مرحلة ثانية بلا انسحاب، لا إدارة بلا معابر، ولا نقاش في السلاح قبل قرار أممي ملزم وقوة فصل دولية. هذا يحوّل المطلب من موقف فصيل إلى قاعدة وطنية وقانونية، ويضع الوسطاء أمام مسؤولياتهم، لا أمام مناورة لغوية.
السلام الحقيقي لا يُبنى على تجريد الضحية من وسائل حمايتها، بل على إزالة مصدر الخطر عنها. لا على وعود عائمة، بل على قرارات ملزِمة وقوة تحمي. وأي عملية سياسية تطلب من غزة أن تسلم درعها قبل أن ينسحب الجلاد، وقبل أن تُفتح البوابات، وقبل أن يقف القانون الدولي على الأرض لا في الورق، إنما تطلب منها أن تراهن على ذاكرة قصيرة في صراع علّمنا أن الوعود فيه لا تردع دبابة، ولا تحمي طفلا.








