180 شركة تقود اقتصاد الفضاء والتكنولوجيا العميقة في الإمارات

السياسي -متابعات- 24.ae

يشهد الهيكل الاقتصادي الإماراتي إعادة تشكيل شاملة لهويته الاستثمارية، يقودها توجيه الرساميل السيادية والخاصة نحو قطاعات التصنيع المتقدم والفضاء والتكنولوجيا الحيوية.

ولم  يعد التنويع الاقتصادي مجرد خطة  لمواجهة تقلبات أسواق الطاقة، بل تحول إلى استراتيجية لبناء “اقتصاد معرفي عميق”.

وتظهر البيانات التحليلية لحركة رأس المال أن إجمالي الاستثمارات والإنفاق في قطاع الفضاء والصناعات الدقيقة  بلغ 44 مليار درهم (نحو 12 مليار دولار أمريكي)، مدعوماً بـ “صندوق الفضاء الوطني” البالغ 3 مليارات درهم.

إلا أن القيمة الحقيقية والمحرك الجوهري لهذا الحراك لا تكمن في حجم الميزانيات الحكومية المرصودة، بل في التحول الهيكلي الذي تقوده شبكة متكاملة تضم اليوم أكثر من 180 شركة ناشئة، ومؤسسة تجارية، ومركزاً للبحث والتطوير تعمل داخل الدولة.

مطور ومصدر

وأصبحت هذه المنظومة الحيوية تشكل النواة الصلبة التي تنقل الإمارات من نموذج “المستهلك للتكنولوجيا فائقة الدقة” إلى “المطور والـمُصدّر” لها إلى الأسواق العالمية.

وتُعزى مرونة هذا النموذج الاقتصادي الناشئ إلى نجاح الدولة في خلق بيئة حاضنة من الطراز الأول، حيث يسهم القطاع الخاص والتجاري بنسبة تتجاوز 44% من إجمالي العمليات والتمويل الذاتي داخل هذه المنظومة الاستثمارية.

ويتضح هذا التحول من خلال رصد حركة التصنيع خلف الأبواب المغلقة للغرف المعقمة في المجمعات الصناعية الكبرى بأبوظبي ودبي والشارقة،  حيث لا يدور الحديث عن تجميع تقليدي أو تغليف بضائع، بل يمتد إلى عمليات بالغة التعقيد، يتشارك فيها مهندسون وعلماء بيانات محليون مع خبرات عالمية لتصميم شريحة ميكروسكوبية، أو برمجة خوارزمية، أو طباعة أجزاء حيوية معقدة.

إن إعادة توجيه السيولة المالية نحو  الـ 180 شركة تعكس رغبة واضحة من صُنّاع القرار والمستثمرين في خلق عوائد طويلة الأجل قائمة على الأصول الفكرية وبراءات الاختراع، وهو الاستثمار الذي يصفه الخبراء بأنه “صمام الأمان” للتنافسية الإماراتية عالمياً.

من الفضاء إلى الأرض

وتكشف القراءة الفنية لآلية عمل الشركات الـ 180 الناشطة في القطاع عن توزيع تكتيكي مدروس وموزع بين صناعات الفضاء والصناعات الطبية الحيوية المتقدمة.

وفي الشق الفضائي، نجحت الكيانات الوطنية الكبرى مثل “مركز محمد بن راشد للفضاء” بالتعاون مع تكتل “إيدج” والشركات الخاصة الشريكة في إحداث قطيعة معرفية مع أسلوب “شراء العقود”.

فقد انتقلت هذه الشركات من مجرد مشغّل لأقمار اصطناعية جاهزة تُبنى في عواصم غربية، إلى مطور محلي يمتلك براءات اختراع لأنظمة ميكانيكية دقيقة وبرمجيات معالجة الصور الفضائية والرادارية القائمة بالكامل على الذكاء الاصطناعي.

ولم تعد المنتجات المصنعة محلياً تُصنف كإنجازات علمية رمزية، بل باتت جزءاً تجارياً يتكامل مع سلاسل الإمداد العالمية؛ حيث تصدر هذه المصانع قطع غيار وحلولاً برمجية لشركات فضاء دولية، مما يمنح الشركات الإماراتية الناشئة قدرة على تحقيق عوائد مستدامة بالعملة الصعبة ترفد الناتج المحلي الإجمالي غير النفطي.

ولم يبق هذا الزخم الصناعي والفضاء المعرفي للشركات حبيس المدارات العليا، بل جرى إسقاطه جيو- اقتصادياً وتكنولوجياً على قطاع الطب الحيوي على الأرض، وتحديداً في مجمعات البحوث والتكنولوجيا والابتكار مثل مجمع الشارقة للبحوث.

فئة حيوية

وهناك فئة حيوية من هذه الشركات الـ 180  تعمل على استغلال تقنيات هندسة المواد والذكاء الاصطناعي لتطوير وصناعة أطراف اصطناعية ذكية وأجهزة تعويضية متطورة عبر تقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد.

ويؤكد خبراء في قطاع الاستثمار الطبي والتكنولوجي الإقليمي، أن الإمارات تتحرك بسرعة لملء الفراغ في سوق الرعاية الصحية الذكية في منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا.

وأشاروا، إلى أن التميز التشريعي ووجود بنية تحتية رقمية فائقة، إلى جانب البيئات التجريبية المرنة ، دفعت بالعديد من الشركات المتخصصة في التكنولوجيا الطبية المعقدة لنقل مراكز تصنيعها الإقليمية إلى دبي وأبوظبي، مفضلة إياها على مراكز تقليدية في أوروبا، نظراً لقدرة هذه المصانع على التصدير المباشر والسريع للأسواق النامية بأقل تكلفة لوجستية ممكنة.

التأثير الهيكلي

ويتجاوز التأثير الاقتصادي لهذه المنظومة الصناعية المتطورة حسابات الربح والخسارة المباشرة، ليلامس بنية سوق العمل الإماراتي.

فنمو قطاع يضم 180 شركة متخصصة في التكنولوجيا العميقة يعكس خلق نوعية جديدة من الوظائف عالية الأجر والقيمة المضافة لجيل جديد من الخريجين المواطنين في مجالات ميكاترونكس، وعلوم الفضاء، والذكاء الاصطناعي، والهندسة الحيوية.

ومن شأن التوطين للمهن المتقدمة تقليل اعتماد الدولة على العمالة الإدارية التقليدية ويخلق طبقة من الرواد والمبتكرين المحليين القادرين على قيادة شركات عائلية أو تكنولوجية عابرة للحدود في المستقبل.

وتؤكد المؤشرات المأخوذة من ورقة التصنيع المتقدم الأخيرة الصادرة عن وزارة الاستثمار الإماراتية، أن النموذج الصناعي الجديد القائم على التكنولوجيا والابتكار يعزز بشكل مباشر الصادرات غير النفطية للدولة ويزيد من مستوى المرونة الصناعية والاكتفاء الذاتي في أوقات الأزمات العالمية.

وبناءً عليه، فإن بقاء وتوسع هذه الـ 180 شركة في السوق يمثل الضمانة الأساسية لتحقيق مستهدفات الاستراتيجية الوطنية للصناعة والتكنولوجيا المتقدمة، حيث لم يعد الرهان على وفرة الموارد الطبيعية، بل على مدى قدرة العقل البشري والبيئة التشريعية المرنة على توليد القيمة من داخل مصانع المستقبل الإماراتي.