السياسي – خلافاً للمواجهة الحادة بين الحكومة والمستشارة القانونية للحكومة غالي بهراف ميارا وجهاز القضاء على خلفية الانقلاب النظامي، فإن جميع الأطراف المعنية تعمل بتناغم فيما يتعلق بالحرب ضد إيران. لم يحظ قرار نتنياهو بشن حرب إلى جانب الولايات المتحدة، والخطوات اللاحقة، بإجماع لدى الرأي العام الإسرائيلي فحسب، بل حظي أيضاً بدعم كامل من المستشارين القانونيين ومكتب المدعي العسكري.
أما في مجال القانون الدولي فالوضع مختلف تماماً. وكما أشار المحامي ميخائيل سفارد خبير القانون الدولي في مقال نشر في الأسبوع الماضي في هذه الصحيفة، ثمة إجماع واسع بين كبار خبراء قانون الحرب في العالم على أن هذه الحرب غير شرعية. ويعبرون عن موقفهم الرافض للحرب في أبرز المواقع العالمية المختصة بالقانون الدولي والشؤون الأمنية.
من بين الخبراء الذين عبروا عن موقف استثنائي، البروفيسور الإسرائيلي عميحاي كوهين ويوفال شيني. في مقال نشراه في بداية الشهر الحالي في موقع “جست سكيورتي” الأمريكي المتخصص بالشؤون القانونية والأمنية، كتبا أنه رغم عدم استيفاء الحرب ضد إيران شروط القانون الدولي القائم، فإنهما أشارا إلى وجوب النظر في تغيير القواعد والسماح بهذا النوع من الحروب في ظل صعوبة عمل مجلس الأمن الدولي.
تنطلق هذه المناقشة من حقيقة أن القانون الدولي ينظر بعين الريبة إلى استخدام القوة العسكرية، مثل الحروب، لحل المشاكل مع الدول الأخرى، ويميل إلى تفسير حق شن الحرب بتفسير تقييدي. ويقول البروفيسور الياف ليبلاخ من جامعة تل أبيب بأن هذا الموقف الذي يتبناه كثيرون في العالم يتعارض مع غرائز الرأي العام الإسرائيلي.
حسب القانون الدولي، لا يجوز استخدام القوة من قبل دولة ضد أخرى إلا في حالتين: الأولى، عندما يصرح مجلس الأمن باستخدام القوة، وهو ما لم يحدث هنا. والاحتمال القانوني الثاني أن تكون الدولة الأخرى استخدمت القوة أولاً بطريقة ترقى إلى مستوى “الهجوم المسلح”، وأن يكون استخدام القوة بمثابة دفاع عن النفس من ناحية الدولة المهاجمة.
كما ذكر، يرى معظم خبراء القانون الدولي بأن هذين الشرطين لم يتحققا في حالة الهجوم الإسرائيلي الأمريكي على إيران. فقد وقع الهجوم في وقت تم فيه التوصل إلى وقف إطلاق نار في قطاع غزة، وكانت إيران تتفاوض على اتفاق مع أمريكا.
وتشير الدكتورة تمار مجيدو من الجامعة العبرية إلى أنه في المنطقة بين هذين الخيارين هناك تفاهم بأن الدول غير ملزمة بالانتظار حتى اللحظة التي ينفذ فيها الخصم هجومه. وهناك استعداد للاعتراف بشرعية ما يسمى “الدفاع المسبق عن النفس” ضد تهديد من الواضح أنه سيتحقق فوراً. مع ذلك، وحسب مجيدو، فإنه حتى في هذه الحالة التصريحات وحدها (مهما كانت مقلقة) لا تكفي لتبرير استخدام القوة للدفاع عن النفس. يجب تحديد الخطوات العملية. وتشير مجيدو إلى أن إدارة بوش الثانية قالت في حينه بأنها مخولة بالتصرف باستخدام القوة أساساً لمنع تشكيل تهديد. مع ذلك، حسب مجيدو، “لم يتبن معظم الخبراء هذا الزعم، وتعتبر معظم الدول الغزو الأمريكي للعراق في 2003 غير قانوني”. بكلمات أخرى، لو كنا على يقين استناداً إلى حقائق، بأن إيران كانت تعتزم شن هجوم للقضاء على إسرائيل على أي حال، مثلما قال ترامب، وأن الهجوم أحبط ذلك، لكان يمكن اعتبار الحرب قانونية بحسب القانون الدولي. لكن كما ذكر، يعتقد معظم الخبراء بأن الحال غير ذلك.
في رسالتها لمجلس الأمن في 10 آذار، لم تدع إسرائيل بصراحة الدفاع عن النفس أو تعرضها لهجوم مسلح من إيران، بل أوضحت أنها في صراع مستمر مع إيران منذ فترة، وبالتالي، كما تدعي، لا تحتاج إلى تقديم ذريعة الدفاع عن النفس لأي هجوم خلال هذا الصراع. وتقول مجيدو: “إسرائيل قدمت بادعاء مشابه في عملية “شعب كالأسد” في حزيران الماضي، لكن هذا الوصف يتعارض مع خطابات النصر التي ألقاها ترامب ونتنياهو بعد الحرب السابقة، التي زعما فيها تدمير القدرات الإيرانية والصواريخ البالستية.
تضيف مجيدو: “لستُ متأكدة من أنه تحليل مقنع. فلم يكن هناك أي اشتباكات بين إسرائيل وإيران بين حزيران وشباط. وإذا ما تجدد إطلاق النار، فإنه يتطلب تبريراً حسب المعايير المقبولة لاستخدام القوة، أي يتطلب ادعاء مقنعاً للدفاع عن النفس”. وكما يشير البروفيسور ليبلاخ إلى أن “الهجوم الحالي على إيران بدا من حالة وقف إطلاق النار. لذا فهو ادعاء ضعيف”. المحامي سفارد يقول: “يمكن لإسرائيل أن تدعي ذلك لأي عمل منذ 1948، وهو ادعاء ضعيف ولا أساس قانونياً له”.
كما زعمت إسرائيل في رسالتها لمجلس الأمن بأنه التراكم النووي والصاروخي البالستي الإيراني سيصل إلى نقطة اللاعودة دون اتخاذ إجراء فوري. ويوضح ليبلاخ بأن الدفاع عن النفس الوقائي، الذي يقوم على الخوف من تطوير أسلحة مستقبلية، لا يعتبر قانونياً لأسباب، منها الخوف من إساءة استخدامها. وحسب ليبلاخ “هناك شعور بأن الطرفين لم يستنفدا الخيارات الأخرى قبل أن تبدأ إسرائيل وأمريكا الحرب، لا سيما أن الولايات المتحدة بضغط من إسرائيل، انسحبت من الاتفاق النووي أثناء سريان مفعوله.
ويضيف البروفيسور ليبلاخ: “لو اعترفت إسرائيل باستعدادات حماس لهجوم مشابه لهجوم 7 أكتوبر لحق لها شن هجوم استباقي حتى بحسب القانون الدولي. الفكرة أنه يجب الإشارة إلى هجوم ملموس، فالتهديد العام الذي لا تتضح احتمالية تحققه لا يكفي للقول بأن الحرب قانونية.
عودة إلى مقال البروفيسورين، شني وكوهين، الذي يتحدى الإجماع بين الخبراء بأن الحرب غير قانونية، يوضح شني بأنه وفقاً للقانون الدولي الحالي الذي يستند إليه معظم الخبراء في حججهم، فإن الحرب غير قانونية للأسباب المذكورة هنا، لكن وفقاً له “لا يقدم القانون الحالي جواباً معقولاً للوضع والسياسة الدولية، أي مواقف الدول من الحرب، يعكس ذلك”.
حسب شني، فإن رد فعل الكثير من الدول على الحرب معتدل مقارنة مع موقف فقهاء القانون. “هناك فجوة كبيرة بين موقف مهني لخبراء القانون الدوليين، معظمهم أكاديميون من جهة، وموقف الدول من جهة أخرى. وعند النظر إلى ردود فعل الدولي على الحرب، بما في ذلك الدول التي تعتبر حساسة لسيادة القانون الدولي مثل ألمانيا، وهولندا، وبلجيكا، وكندا، وأستراليا والاتحاد الأوروبي، وبدرجة معينة فرنسا وإيطاليا، نجد أن ردود فعلها معتدلة فيما يتعلق بمسألة عدم شرعية الحرب، وتختلف عن موقف خبراء القانون الدولي.
قال شني: “على سبيل المثال، صرح المستشار الألماني بأن ألمانيا لا تعنى بمسالة شرعية الحرب على الإطلاق، وأنها لا تنوي توجيه أي نصائح لحلفائها. بينما تقول دول مثل بلجيكا بأن القانون الدولي مهم جداً، ولكن مجلس الأمن لا يعمل. ويقول ماكرون بأن الحرب كانت خطأ إيرانياً”. إضافة إلى ذلك، أشار شني إلى أن روسيا فشلت مؤخراً في تمرير قرار في مجلس الأمن يطلب من الأطراف وقف العنف. من جهة أخرى، يقول المحامي سفارد: “لا توجد دولة من هذه الدول تؤيد الحرب. إن عدم الإدانة لا يعني الموافقة، هي تخشى الوقوع في مشاكل مع ترامب”.
يقول شني إن “المطلوب هو إما تغيير القواعد أو تحسين أداء مجلس الأمن القومي للتمكن من إنقاذ القواعد الموجودة”. ووفقاً له “ما أؤكد عليه أنا والبروفيسور كوهين، هو أن مجلس الأمن لا يؤدي وظيفته، لذا يجب مراجعة القواعد. دور مجلس الأمن هو إزالة تهديد إيران للسلام العالمي. كان من المفروض أن يقدم المجلس الدعم لإسرائيل والولايات المتحدة باستخدام القوة العسكرية ضد إيران كملاذ أخير مثلما حدث مثلاً في حرب الخليج الأولى ضد العراق”. ولكن شني يقول: ” مجلس الأمن يعاني الآن من الشلل، ما يجعل الدول عرضة للتهديد دون أدوات قانونية فعالة. في مثل هذه الحالة، تدفع الدول إلى أخذ زمام الأمور بيدها، ويشير رد الفعل المعتدل للدول على الحرب ضد إيران إلى أن هذه هي الطريقة التي تحلل فيها الوضع”.
يشبه شني خلل عمل مجلس الأمن بحالة وجود قوة شرطة غير قادرة على أداء عملها، حيث يجبر الناس على الدفاع عن أنفسهم رغم أن القواعد لا تسمح بذلك بالضرورة.
يتفق المحامي سفارد مع البروفيسور شني على أن مجلس الأمن لا يعمل بشكل صحيح. مع ذلك، يرى سفارد أن مشكلة عمل مجلس الأمن لا تمنع أي دولة من استخدام القوة للدفاع عن النفس في الحالة المناسبة. ويضيف سفارد: “إن توسيع نطاق استخدام القوة ليشمل حالة الدفاع عن النفس ليس توسعاً خطيراً في الواقع. وقد يخلق ذلك وضعاً يبرر فيه كل معتد عدوانه بضعف مجلس الأمن. وسيتلاشى طلب أن تكون الحروب للدفاع عن النفس فقط، وسنعود إلى عالم يتقاتل فيه الجميع مع الجميع طوال الوقت”.
حن معنيت
هآرتس 16/3/2026









