السياسي – اعتبر اللواء احتياط في جيش الاحتلال الإسرائيلي ولخبير العسكري إسحاق بريك، أن “إسرائيل” تواجه في كانون الأول/ يناير 2026 “واقعاً أمنياً معقداً يتطلب تحليلاً دقيقاً ومتأنياً”، قائلا إن التهديد لا يقتصر على بُعد واحد، بل يتألف من ثلاث دوائر واضحة.
وأوضح بريك في مقال نشرته صحيفة “معاريف” أن “الدائرة الأولى هي القتال الشرس ضد حماس وحزب الله على الحدود المباشرة؛ والدائرة الثانية تشمل وكلاء إيران في اليمن والعراق وسوريا؛ أما الدائرة الثالثة فهي إيران نفسها – رأس الحربة، الساعية إلى الهيمنة الإقليمية والقدرة النووية”.
وأضاف أن “التركيز شبه الحصري على قطاع غزة خلال العامين الماضيين كان فشلاً ذريعاً. فبينما كانت إسرائيل تُهدر مواردها على مناورات محلية واستنزاف مستمر، كانت التهديدات في دوائر بعيدة تتصاعد. وبدلاً من إدارة استراتيجية تستشرف المستقبل لعقد من الزمان، انجررنا إلى استنزاف لا نهاية له في ساحات ثانوية. ما نحتاجه الآن هو نقاش معمق حقاً، يسعى إلى اتخاذ قرار بشأن النقاط الحاسمة بدلاً من إدارة الأزمات المستمرة”.
وأشار إلى أنه “لفهم حجم التحدي، يمكننا النظر إلى دولة إسرائيل كجهاز توجيه قوي في شبكة عالمية. جهاز التوجيه ليس مجرد قناة لنقل البيانات، بل هو العقل المدبر الذي يقرر كيفية إدارة عرض النطاق الترددي. عندما تُثقل الشبكة بضغوط متعددة، يُفعّل جهاز التوجيه آليات تحديد الأولويات: فتركيز كل الطاقة على عنوان واحد يُعرّض باقي النظام للخطر، وقد يؤدي إلى انهياره. وينطبق الأمر نفسه على واقعنا الأمني”.
وذكر أنه “على غرار جهاز التوجيه الذي يحمي الشبكة بجدار ناري، يجب على إسرائيل توجيه قوتها العسكرية والسياسية إلى مواطن الخطر الوجودي الحقيقي. من المستحيل توفير استجابة قصوى في كل نقطة نهاية في آن واحد. تكمن الاستراتيجية الصحيحة في توجيه الموارد – “حزم المعلومات” – بذكاء إلى الوجهات التي تضمن استقرار النظام بأكمله”.
وأكد أنه “يجب على إسرائيل أن تُدرك أن الولايات المتحدة هي محورها الاستراتيجي الحاسم. في عهد إدارة ترامب، ثمة حاجة إلى خطة عمل للعقد القادم تضمن لإسرائيل تفوقها النوعي. وهذا يعني إنشاء “هيكل شبكي” مشترك مع واشنطن، هيكلٌ من شأنه احتواء إيران وتمكين بناء تحالفات إقليمية جديدة”.
وأوضح “تتطلب الاعتبارات السياسية أيضاً تنازلات مؤلمة. فليس من المنطقي الإصرار على التمسك بنقطة تكتيكية واحدة على حساب خسارة الدعم الاستراتيجي في ميادين أخرى. قد يكون التنازل المحسوب في مكان ما مفتاحاً لتعزيز غير مسبوق في مكان آخر، وهو أمر بالغ الأهمية للأمن القومي”.
وقال إنه “لتحقيق هذا المفهوم، لا بد من تحول هيكلي في المؤسسة الدفاعية. تحت قيادة رئيس الأركان إيال زامير والمدير العام لوزارة الأمن أمير بارام ، يكمن التحدي في بناء قوة لا تقتصر على كونها قوية فحسب، بل ذكية ومرنة أيضاً. ويُطلب من زامير تحويل مركز الثقل من الاستنزاف الثابت على الحدود إلى بناء قدرات هجومية متعددة الأبعاد في الدائرة الثالثة، بما يُحقق ردعاً حقيقياً وتوازناً في مكافحة الإرهاب، بالتزامن مع التحالفات مع الولايات المتحدة ودول أخرى”.
واعتبر بريك أنه “في الوقت نفسه، يجب على بارام أن يقود عملية تعزيز البنية التحتية: تعزيز الاستقلالية في الإنتاج في المجالات الحيوية إلى جانب تعزيز العلاقات مع الصناعات الدفاعية الأمريكية، لضمان عدم انقطاع القدرة اللوجستية لإسرائيل في لحظة الحقيقة”.
وأكد أن “المعضلة المركزية لعام 2026 مؤلمة ولكنها حتمية: كيف يمكن اتخاذ القرارات في الساحات الثانوية دون الوقوع في عبودية لها؟ إن محاولة التوصل إلى قرار نهائي في كل زقاق في غزة أو جنوب لبنان قد تُثقل كاهل “الموجه” الإسرائيلي في اللحظة التي تُحرز فيها إيران تقدماً نحو امتلاك أسلحة نووية. يكمن الحل في تبني نموذج صيانة ذكية في الساحات المباشرة – التكنولوجيا، والعوائق المتطورة، والقوى العاملة الماهرة ولكن المحدودة – لتحرير الجزء الأكبر من الموارد للتعامل مع رأس الأخطبوط”.
واختتم بالقول: “لا يمكن لإسرائيل أن تتحمل عقدًا آخر من الانشغال بمعالجة الأزمات. يجب أن يقوم التنسيق المطلوب بين القيادة السياسية وهيئة الأركان العامة ووزارة الدفاع على فهم بسيط: الموارد محدودة، لكن الإبداع لا حدود له. إذا تصرفنا كجهاز توجيه ذكي – نحدد تهديدات الغد، ونرتب أولويات قوتنا بشكل صحيح، ونحافظ على اتصالنا بالشبكة العالمية – فسنضمن ليس فقط الأمن، بل والازدهار أيضًا في العقد القادم”.








