بقلم: د. صالح الشقباوي – فلسطين
Салех
Шакбауи
От Палестина
يُعدّ خريستو بوتيف أحد أعظم رموز الكفاح المسلح في بلغاريا خلال الربع الأخير من القرن التاسع عشر، وأحد أبرز وجوه النهضة الوطنية البلغارية في مواجهة الاحتلال العثماني الغاشم. لم يكن بوتيف مجرد ثائر حمل السلاح دفاعاً عن وطنه، بل كان أيضاً شاعراً كبيراً وصحفياً مقاتلاً، جمع بين الكلمة والبندقية، وبين الوعي الثوري والفعل النضالي.
نشأ بوتيف في بيئة وطنية واعية، وكان لوالده، الذي يُعدّ أحد أعمدة النهضة البلغارية، دور محوري في تشكيل وعيه القومي والفكري. فقد آمن والده بأهمية التعليم والهوية والثقافة في مشروع التحرر الوطني، وهو ما انعكس بوضوح على شخصية خريستو بوتيف ومسيرته. لاحقاً، درس بوتيف في روسيا، حيث تأثر بالأفكار الاشتراكية الديمقراطية والتيارات الثورية السائدة آنذاك، فامتزج لديه الهمّ الاجتماعي بالهمّ الوطني، وأصبحت الحرية والعدالة وجهين لمعركة واحدة.
برز بوتيف كصحفي ثوري استخدم قلمه سلاحاً للتحريض على الثورة، فكانت مقالاته نارية اللهجة، واضحة الهدف، تدعو الشعب البلغاري إلى كسر قيود الخضوع والانتفاض على المحتل العثماني. أما في الشعر، فقد كان من أوائل الشعراء الذين جعلوا الوطن والشعب محور القصيدة، فصوّر صبر البلغار ومعاناتهم، ومجّد أبطالهم وشهداءهم، وخلّد تضحياتهم في نصوص ما زالت حية في الذاكرة الوطنية البلغارية.
وفي عام 1875، صدرت مجموعته الشعرية الشهيرة «أغاني وقصائد»، التي شكّلت علامة فارقة في الأدب البلغاري الحديث، حيث تجلّت فيها الروح الرومانسية الثورية، وتركّزت جلّ موضوعاتها حول تحرير بلغاريا. وتُعدّ قصيدته في رثاء الثائر العظيم فاسيل ليفسكي مثالاً ساطعاً على قدرته الشعرية في تحويل الشهادة إلى فعل خلود، والحزن إلى طاقة مقاومة.
بلغ كفاح خريستو بوتيف ذروته بمشاركته في انتفاضة عام 1876 ضد الحكم العثماني، تلك الانتفاضة التي قُمعت بوحشية. ورغم المطاردة والأسر، لم ينكسر بوتيف، بل عاد مع مجموعة من الثوار من رومانيا، عابراً نهر الدانوب إلى بلغاريا، ليشارك في الثورة المسلحة إيماناً منه بأن الحرية لا تُمنح بل تُنتزع.
لكن الرصاص العثماني لم يرحم هذا الشاب الثائر، فسقط خريستو بوتيف شهيداً وهو في الثامنة والعشرين من عمره، ليلتحق بقافلة شهداء بلغاريا العظام. باستشهاده، تحوّل بوتيف إلى رمز خالد، يجسّد وحدة الكلمة والسلاح، والفكر والتضحية، ويؤكد أن الأوطان تُبنى بدماء الشهداء كما تُصان بوعي المثقفين.
رحم الله الشهيد خريستو بوتيف، وكل شهداء الوطن البلغاري،
والمجد والخلود لشهداء الثورة البلغارية العظيمة ضد الاحتلال العثماني.
—
د. صالح الشقباوي







