رغم حالة التهكم والانتقاد التي رافقت خطاب الرئيس الفلسطيني محمود عباس «أبو مازن»، وما أثير مجدداً حول اتفاق أوسلو ووصفه من قبل خصومه بـ«الاتفاق الخياني»، إلا أن قراءة المشهد السياسي الفلسطيني والإسرائيلي بتعقيداته المختلفة تفرض مقاربة أكثر عمقاً وواقعية لمسار هذا الاتفاق ونتائجه وتداعياته.
لقد اعتبرت شخصيات فلسطينية وعربية، ومن مختلف الاتجاهات السياسية والفكرية، أن اتفاق أوسلو لم يلبِّ الحد الأدنى من الحقوق الوطنية الفلسطينية، وهو رأي يحظى بتأييد واسع داخل الشارع الفلسطيني والعربي. غير أن معارضة الاتفاق لم تكن حكراً على طرف واحد، بل جاءت من ثلاثة اتجاهات رئيسية.
الاتجاه الأول تمثل في القوى والفصائل الوطنية والقومية واليسارية الفلسطينية، التي رأت في الاتفاق تنازلاً سياسياً كبيراً لمصلحة الاحتلال الإسرائيلي، دون ضمانات حقيقية لإنهاء الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة.
أما الاتجاه الثاني، فتمثل في التيار الإسلامي، وخاصة جماعة الإخوان المسلمين، التي أفرزت لاحقاً حركة حماس كقوة رئيسية في الساحة الفلسطينية، لتكون بديلاً سياسياً وميدانياً عن منظمة التحرير الفلسطينية. وقد عملت الحركة بكل إمكاناتها لإسقاط اتفاق أوسلو، عبر العمليات الاستشهادية التي شكلت، من وجهة نظر اليمين الإسرائيلي، دليلاً على فشل الاتفاق وعدم جدواه الأمنية والسياسية.
أما الاتجاه الثالث، فكان داخل إسرائيل نفسها، حيث عارضت أحزاب اليمين الإسرائيلي المتطرف اتفاق أوسلو باعتباره يتناقض مع المشروع الصهيوني القائم على التوسع والاستيطان وتكريس «يهودية الدولة». ولم يكن خافياً أن الاتفاق مرّ داخل الكنيست الإسرائيلي بأغلبية ضئيلة جداً، بلغت 61 صوتاً فقط، ما عكس حجم الانقسام الإسرائيلي حوله.
وقد شكّلت العمليات الاستشهادية وتصاعد المواجهة العسكرية في تلك المرحلة عاملاً مهماً في إعادة إحياء وصعود أحزاب اليمين الديني والقومي المتطرف، وعلى رأسها حزب الليكود بقيادة بنيامين نتنياهو، وصولاً إلى اغتيال رئيس الوزراء الإسرائيلي إسحق رابين، الذي كان الشريك الإسرائيلي الأبرز في توقيع الاتفاق.
وفي المقابل، ظل الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات يعتبر أن اتفاق أوسلو يمثل محاولة لنقل الصراع الفلسطيني من المنافي والشتات إلى داخل فلسطين، في ظل فقدان القيادة الفلسطينية للحاضنة الجغرافية بعد خروج المقاومة الفلسطينية من لبنان، وتصاعد الانقسامات الفلسطينية الداخلية، إلى جانب تعقيدات الموقفين الإقليمي والدولي آنذاك.
ورغم إدراك عرفات لحجم السلبيات والثغرات التي تضمنها الاتفاق، فإنه نجح في تمريره داخل مؤسسات القرار الفلسطيني خلال اجتماع المجلس المركزي الفلسطيني في تونس، انطلاقاً من رؤية سياسية هدفت إلى تثبيت الوجود الفلسطيني على الأرض الفلسطينية، وإعادة بناء المؤسسات الوطنية داخل الوطن.
اليوم، وقبل انعقاد المؤتمر الثامن لحركة فتح، تتصاعد داخل” إسرائيل” دعوات وتشريعات تهدف إلى إسقاط اتفاق أوسلو رسمياً، في وقت لم تنفذ فيه القيادة الفلسطينية قرارات المجلس المركزي المتعلقة بإلغاء الاتفاق، نتيجة ما قد يترتب على ذلك من تداعيات سياسية وأمنية واقتصادية خطيرة. على الفلسطينيين الذين استطاعوا العودة وفقًا لي إتفاق إوسلوا
ومن هنا يمكن فهم إصرار الرئيس محمود عباس على التمسك بخيار العملية السياسية وقرارات الشرعية الدولية، خاصة في ظل التصعيد الإسرائيلي غير المسبوق، الذي يستهدف تهجير الفلسطينيين باعتباره هدفاً استراتيجياً للمشروع اليميني الإسرائيلي، عبر حرب الإبادة الجماعية في قطاع غزة، وعمليات التطهير العرقي والاستيطان في الضفة الغربية والقدس الشرقية. ومشروع يهودية الدولة..
ويستند خطاب الرئيس أبو مازن إلى التمسك بالشرعية الدولية، بدءاً من القرار 181 وقرار 194 الخاص بحق العودة، وصولاً إلى القرار 2334 الرافض للاستيطان الإسرائيلي. وقد يرى البعض أن هذه السياسة لم تحقق إنجازات ملموسة، إلا أن الوقائع تشير إلى نتائج سياسية ووطنية مهمة، أبرزها عودة مئات آلاف الفلسطينيين إلى أرض الوطن، وتضاعف أعداد الشعب الفلسطيني داخل فلسطين التاريخية، إضافة إلى اعتراف أكثر من 160 دولة بدولة فلسطين، وانضمام فلسطين إلى العديد من المؤسسات والمنظمات الدولية.
ويبقى الصراع مفتوحاً في مواجهة المشروع الصهيوني الاستيطاني العنصري، في ظل صمود الشعب الفلسطيني، وخاصة في قطاع غزة، رغم حجم الإبادة الجماعية والدمار الهائل، إلى جانب استمرار عمليات التطهير العرقي في الضفة الغربية والقدس المحتلة.
إن هذا الصمود الأسطوري يؤكد تمسك الفلسطينيين بأرضهم ورفضهم لمشاريع التهجير والوطن البديل، رغم كل الضغوط والحروب ومحاولات كسر الإرادة الوطنية الفلسطينية.
عمران الخطيب







