باحث في العلاقات الدولية
في خطابه المرتبط بالحرب القائمة على إيران أعاد الرئيس ترامب إنتاج نفسه من جديد؛ وكرر معظم كلماته وتغريداته السابقة ممزوجة بنبرة اضافية من التهديد والوعيد لقادة طهران الجدد؛ إذا لم يقبلوا شروط البيت الابيض الــ15. على مدار 20 دقيقة تقريباً أطلق مؤسس ورئيس رابطة “مجالس السلام العالمية” وصانع خطط “الامن والازدهار العالميين”، سيل من التهديدات والكلمات الساخنة التي تنذر نظام طهران بفتح المزيد من ابواب جهنم وإعادتهم “للعصر الحجري حيث كانوا ينتمون” إذا لم يتم التوصل الى اتفاق، متعهداً بان الهجمات “ستتواصل حتى انتهاء المُهمة وتحقيق كامل الاهداف”.
من المفارقات العجيبة التي يمكن تسليط مزيداً من الضوء عليها، تناقضان بارزان وردا في الخطاب، الاول يتعلق بماهية أهداف الحرب، والثاني مرتبط بمبررات وجود الجيش الامريكي في منطقة الشرق الاوسط. في السياق الاول، كشف خطاب ترامب بوضوح ان اهداف الحرب -على الاقل المُعلنة، قد تم تحقيقها “…حققنا نصراً ساحقاً، ودمرنا بَحريتهم وقضينا على قادتهم”، مضيفاً ان “قدرة إيران على إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة تراجعت بشكل كبير”، وذكّر من جديد أن المنشآت النووية الايرانية قد تعرضت للقصف للمرة الثانية لدرجة أن الأمر سيتطلب “أشهراً للتمكن من الاقتراب من الغبار النووي”. ومع ذلك، ترك ترامب باب الحرب مفتوحاً لأسبوعين وربما ثلاثة اسابيع اضافية، لجلب إيران الى طاولة المفاوضات تحت تهديد “تدمير منشآت النفط ومحطات توليد الكهرباء”. السياق الاخر الوارد في الخطاب ركز على تبرير الوجود الامريكي في المنطقة رغم انتفاء العائد على الوجود “نحن الآن مستقلون تماماً عن الشرق الأوسط. ونحن هناك موجودون للمساعدة، ولا حاجة لنا للوجود هناك. لسنا بحاجة إلى نفطهم ولا أي شيء يمتلكونه” ومع ذلك يُصر ترامب على الوجود تحت مبرر “لمساعدة حلفائنا”.
في الواقع، كشفت تصريحات ترامب عن ازمة سياسية عميقة آخذة بالتفاقم، مع ارسال المزيد من الرسائل المتضاربة -بين تحقيق الاهداف وبين حتى تحقيق الاهداف كاملة، والارتجال السائد في وضع مخططات الحرب ووجهتها- بين التهدئة ثم المفاوضات وبين الغزو البري المحدود او الشامل، ومع ذلك، يمكن العثور -على الاقل، على قاسمٍ واحدٍ مشترك بين الموقفين المتضاربين؛ وهو، ان جوهر استراتيجية ترامب السائدة الان مع الحلفاء، بدءً من اوروبا وحلف الناتو؛ مروراً بشرق وجنوب شرق آسيا؛ وصولاً الى دول الشرق الاوسط، قائمة على الاستخفاف بمصالحهم ومواقفهم معاً، بعبارة اخرى، اولوية تدمير الاعداء تتصدر سياسة كسب الحلفاء لدى ترامب، مع إبقاء إمكانية التخلي عنهم -باستثناء اسرائيل، أمراً غير مستبعد.
في هذا السياق، فإن سيل التهديدات الامريكية لإيران بالانتقام من بنيتها التحتية للطاقة ومنشآت النفط لم يتوقف، يوم 21 اذار مارس، منح ترامب قادة طهران مهلة 48 ساعة لإعادة فتح مضيق هرمز امام ناقلات النفط المتوقفة منذ أكثر من شهر، وإلا فسيواجهون هجمات على بنيتهم التحتية للطاقة؛ وعلى الرغم من تجاهل إيران لهذا التحذير، قرر ترامب تمديد المهلة النهائية لأول مرة قبل انتهائها في 23 مارس، مضيفًا أربعة أيام إضافية. ثم، وقبل أقل من 24 ساعة من انتهاء المهلة الجديدة في 27 مارس، أعلن تمديدًا ثانيًا حتى 6 أبريل. وقد برّر ترامب هذه التمديدات بالإشارة إلى “تطورات مثمرة” في المفاوضات، وهو ما تنفيه إيران بشكل قاطع، ويؤكد قادتها عدم وجود أي محادثات جارية بين الطرفين.
في سياق متصل، كشف تقرير جديد نشرته مجلة TIME أن سوزي وايلز، رئيسة موظفي البيت الأبيض، قلقة من مجموعة المساعدين المحيطين بترامب الذين يقدمون له صورة وردية عن كيفية النظر إلى الحرب ضد إيران، حيث يخبرونه بما “يريد سماعه” بدلاً مما “يحتاج إلى سماعه”. وقد حثت زملاءها، على أن يكونوا “أكثر صراحة مع الرئيس” بشأن المخاطر السياسية والاقتصادية، وارتداداتها الداخلية الكبيرة على تأييده الشعبي ولآفاق الجمهوريين في انتخابات التجديد النصفي المقررة في نوفمبر. ويكشف التقرير، بالنسبة لترامب كان تحذير وايلز الصارم مقلقاً بشكل كبير.
تقرير مجلة التايم يكشف بوضوح عن وجود تباين في المواقف بين تيارين محيطين بالرئيس ترامب، أحدهما يدفع بقوة لاستمرار الحرب وتصعيدها، ويحاول تجميل الموقف العسكري امام الرئيس، الذي على ما يبدوا ما زال مقتنعاً ان النظام الايراني في طريقه للاستسلام للشروط الامريكية، وان الامر مجرد مسألة وقت، بالقياس مع فنزويلا. هذا التصور يواجه العديد من التحديات القائمة من أبرزها، استمرار اغلاق مضيق هرمز، قدرات إيران على إطلاق الصواريخ والمسيرات، عدم العثور على اليورانيوم الايراني المخصب بنسبة 60%. مع تدني ملحوظ في شعبية الرئيس ترامب لامس الــ 35%. مجمل هذه العوامل تشكل حزام ضغط كبير على ترامب وتضعه أمام اختبارات جدية تدفعه للتفكير للخروج من هذا المأزق.
في فقرته الافتتاحية لمقال نشره موقع The Atlantic كتب روبرت كاجان احد ابرز وجوه المحافظين الجدد “أياً كان توقيت انتهاء الحرب الأمريكية مع إيران وكيفما كان شكلها، فقد كشفت هذه الحرب عن مخاطر واقعنا الجديد المتصدع والمتعدد الأقطاب، بل وأدت إلى تفاقمها- مما أدى إلى توسيع الفجوة بين الولايات المتحدة وأصدقائها وحلفائها السابقين؛ وتعزيز قوة القوى العظمى التوسعية، روسيا والصين؛ وتسريع وتيرة الفوضى السياسية والاقتصادية العالمية؛ وترك واشنطن في وضع أضعف وأكثر عزلة مما كانت عليه في أي وقت منذ ثلاثينيات القرن العشرين. وحتى النجاح ضد إيران سيكون اجوف في ظل مخاوف بانهيار نظام التحالفات الذي ظل على مدى ثمانية عقود المصدر الحقيقي لقوة أمريكا ونفوذها وأمنها”.
بينما شدد ترامب في حملته الانتخابية على شعار “أمريكا اولاً”، وركزت استراتيجية الامن القومي 2025 على نصف الكرة الغربي، باعتباره الحديقة الخلفية للمجال الحيوي وامتداداً للأمن القومي الامريكي، فجأة عاد الشرق الأوسط ليشهد تحولًا غريباً في أولويات السياسة الخارجية، حيث أصبح محور اهتمام الإدارة الأمريكية بشكل غير متوقع، خاصة في ظل استمرار التحديات الجيوسياسية الأخرى التي تواجهها، بما فيها، الحرب الروسية-الاوكرانية والتحديات الأمنية في شرق آسيا. بل بدا الأمر بالنسبة لرعاة الحرب في واشنطن، وكأنه الأولوية الوحيدة التي تستحق على ما يبدو دفع أي ثمن، بما في ذلك المغامرة بمصالح دول المنطقة دون الاستماع لرأيها، تمزيق العلاقات مع حلف الناتو، وحتى سحب شبكة الامان الدفاعية عن سماء دول شرق اسيا المعادية للصين، شلل في الاقتصادات العالمية.
ويبقى السؤال، هل هناك رؤية استراتيجية واضحة ومضمونة النتائج للرئيس ترامب تستحق التضحية بمصالح بلاده العليا مقابل كل هذا الانخراط في الشرق الاوسط. ام أن ما يجري من تصعيد ليس إلا مسار حتمي لاستدعاء خطة الخروج من المأزق الذي تعقّد بفعل سوء التقدير وتضارب الحسابات؟.








