جاري التحميل...

خطة غزة – واشنطن تموّل وتخطط وإسرائيل تفرض شروطها ميدانياً

السياسي – في الوقت الذي يغرق فيه قطاع غزة تحت ركام عشرات ملايين الأطنان من الأنقاض، ووسط أزمة صحية وإنسانية وبيئية هي الأكثر تعقيدًا في التاريخ الحديث، يدور خلف الكواليس جدل سياسي ودبلوماسي صامت، لكنه عنيف، بين الحليفين الاستراتيجيين واشنطن وتل أبيب.

وبينما تمضي إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في تنفيذ بنود خطتها الرامية إلى إنشاء قوة الاستقرار الدولية وتمويلها وتجهيز بنيتها التحتية في قطاع غزة، يخرج رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مرارًا لينفي اتخاذ أي قرار نهائي يسمح بدخول هذه القوات.

ويعيد هذا المشهد المتباين طرح السؤال الجوهري والمحوري حول من يمسك فعليًا بزمام المبادرة ويقود خطة غزة على أرض الواقع: “هل هي الإدارة الأمريكية بوزنها الدبلوماسي، أم حكومة اليمين الإسرائيلي بفرضها الأمر الواقع ميدانيًا؟”.

في هذا السياق، تؤكد مصادر غربية أن التحركات الميدانية والدبلوماسية تشير إلى أن الإدارة الأمريكية تجاوزت مرحلة التخطيط النظري أو طرح الأفكار السياسية لليوم التالي للحرب، وانتقلت فعليًا إلى المسار التنفيذي والعملي في تنفيذ خطة غزة.

وتشير المصادر إلى أن ذلك يتجلى في رصد إدارة ترامب ميزانيات مالية تجاوزت في بعض مراحلها 206 ملايين دولار كحزم أولية مخصصة حصريًا لإنشاء وتجهيز قوة الاستقرار الدولية.

وتوضح أنه، بالتوازي مع هذا الدعم المالي، تبذل واشنطن جهودًا مكثفة لبناء القدرات اللوجستية وتجهيز المواقع والمقرات اللازمة لعمل هذه القوات داخل القطاع أو على أطرافه، بما يضمن سرعة انتشارها.

كما تضع الولايات المتحدة ثقلها العسكري من خلال إسناد مهام التوجيه والتنسيق إلى قيادات عسكرية أمريكية رفيعة، للإشراف على جمع المساهمات الدولية وتدريب القوة المقترحة وتأهيلها للمهام الأمنية والإنسانية، وهو ما يعكس رغبة واشنطن في إنهاء الفراغ الأمني وقطع الطريق أمام أي عودة محتملة لحركة حماس إلى إدارة القطاع.

في المقابل، يبدو الموقف الإسرائيلي المعلن والممارس على الأرض مختلفًا تمامًا في الإيقاع والأهداف، بحسب المصادر الغربية، إذ يعتمد بنيامين نتنياهو وحكومته استراتيجية المناورة والنفي المتكرر لتجنب الصدام مع أقطاب اليمين المتطرف في الائتلاف الحكومي، الذين يطالبون بفرض سيطرة استيطانية أو أمنية مطلقة.

وتصر تل أبيب على أن أي حديث عن دخول قوات دولية مشروط بالتجريد الكامل والنهائي لقطاع غزة من سلاح حركة حماس، والتأكد من تفكيك البنى التحتية للفصائل الفلسطينية.

كما ترفض إسرائيل التنازل عن مبدأ السيطرة الأمنية العليا وحرية العمل العسكري التي تضمن لها الحق في الدخول إلى القطاع والخروج منه وتنفيذ عمليات موضعية متى تشاء، وهو ما يتعارض جوهريًا مع مفهوم قوة الاستقرار الدولية التي تتطلب بيئة مستقرة وصلاحيات سيادية واضحة لتأدية عملها.

يرى المحلل السياسي لطيف أبو نبوت، أن الفجوة بين المسار الأمريكي المتسارع والموقف الإسرائيلي المتمنع تعكس تباينًا عميقًا في المصالح والأولويات بين الطرفين.

ويوضح أبو نبوت أن إدارة ترامب تنظر إلى خطة غزة كجزء من مشروع إقليمي أوسع يهدف إلى دمج إسرائيل في المنطقة وبناء هندسة أمنية جديدة تضمن الاستقرار طويل الأمد؛ لذلك تعتبر واشنطن قوة الاستقرار مخرجًا لا غنى عنه لإعفاء الجيش الإسرائيلي من عبء الاحتلال المباشر والمكلف لمليوني فلسطيني.

ويشير إلى أن سلوك نتنياهو محكوم بالموازين الحزبية الداخلية، حيث يسعى لمنع أي قرار رسمي لليوم التالي، لكي يبقي الباب مفتوحًا أمام استمرار العمليات العسكرية التي تضمن تماسك حكومته، مع الاستفادة في الوقت ذاته من التحضيرات الأمريكية اللوجستية والمالية كخطة بديلة جاهزة للتطبيق إذا ما أُجبر، تحت الضغط الميداني أو الاقتصادي، على التراجع.

ويؤكد أن من يقود الخطة فعليًا على الأرض في الوقت الراهن هي إسرائيل، عبر ترسانتها العسكرية وسيطرتها على المعابر والمحاور الأساسية، مثل محوري نتساريم وفيلادلفيا، غير أن هذه القوة العسكرية تفتقر إلى الشرعية السياسية والقدرة المالية لإعادة الإعمار وإدارة الحياة اليومية، وهنا تبرز الحاجة إلى القيادة الأمريكية التي تمسك بملف التمويل والتغطية الدولية.

وبين الاندفاع الأمريكي والتمنع الإسرائيلي، فإن قطاع غزة يدفع أثمانًا إنسانية باهظة وغير مسبوقة، حيث يعيش مئات الآلاف من السكان في خيام مهترئة أو فوق أنقاض منازلهم.

وتشير التقارير الطبية والصحية إلى تفاقم متسارع للأزمات البيئية نتيجة وجود عشرات ملايين الأطنان من الركام التي تحتوي على مواد خطرة وجثامين آلاف المفقودين تحت الأنقاض، إلى جانب انهيار البنية التحتية للصرف الصحي وشبكات المياه والشلل شبه الكامل في المنظومة الطبية نتيجة نقص الوقود والمعدات الأساسية، مما يمثل عامل ضغط متفجرًا قد يفرض على الطرفين حسم الإجابة قريبًا حول هوية الطرف الذي سيقود القطاع.

وفي ضوء الحقائق السابقة، فإنه يمكن القول إن خطة غزة تُقاد برأسين متنافسين ومتكاملين في آن واحد؛ فواشنطن تقود الخطة بالمال واللوجستيات والغطاء الدبلوماسي الدولي، بينما تقود تل أبيب الخطة بالدبابات والشروط الأمنية وفرض الأمر الواقع ميدانيًا.

وتظل الفجوة قائمة بانتظار لحظة الحقيقة السياسية، فإما أن تنجح الضغوط الأمريكية والترتيبات المالية في إجبار إسرائيل على التنازل والقبول بدخول قوة الاستقرار الدولية، أو ينجح نتنياهو في فرض شروطه الأمنية وتحويل القوة الدولية إلى مجرد أداة وظيفية تخدم السيطرة العسكرية الإسرائيلية المستدامة.