جاري التحميل...

خفافيش الظلام… وفتح التي لا تنطفئ

عندما يعجز أصحاب المشاريع الصغيرة عن مواجهة الشمس، لا يجدون لأنفسهم مكانًا إلا في الظلام. وهناك، بعيدًا عن أعين الجماهير، تُنسج المؤامرات، وتُعقد اللقاءات، وتُرسم الخرائط التي لا ترى في الوطن إلا وسيلة لتحقيق المصالح، ولا في الحركة الوطنية إلا عقبة يجب إزاحتها.

ومنذ إعلان الرئيس محمود عباس عن التوجه نحو الانتخابات التشريعية، بدأت تحركات لافتة، واجتماعات متنقلة داخل الوطن وخارجه، وظهرت أصوات ترفع شعارات الإصلاح والتغيير، بينما يعتقد كثيرون أن ممارساتها تصب في إضعاف حركة فتح، وتمزيق وحدتها، وإخراجها من موقعها الطبيعي كقائدة للمشروع الوطني الفلسطيني.

إن الاختلاف في الرأي حق، والمعارضة الوطنية جزء من الحياة السياسية، لكن الوطنية لا تُبنى في الغرف المغلقة، ولا تُصنع على موائد الخارج، ولا تتحول إلى وسيلة لتفكيك البيت الفلسطيني أو إضعاف الحركة التي دفعت آلاف الشهداء والأسرى والجرحى ثمنًا لبقاء القرار الوطني الفلسطيني مستقلًا.

فتح ليست حزبًا عابرًا في التاريخ، وليست تنظيمًا يمكن تجاوزه ببيان أو اجتماع أو حملة إعلامية. فتح هي الثورة، وهي الانطلاقة، وهي أم الشهداء، وهي مدرسة النضال التي صنعت الهوية الوطنية الفلسطينية الحديثة. وكل محاولة للنيل منها إنما تصيب قلب المشروع الوطني قبل أن تصيب الحركة نفسها.

واليوم، تقف اللجنة المركزية والمجلس الثوري أمام مسؤولية تاريخية لا تحتمل التأجيل. فالمطلوب موقف واضح، ورؤية حاسمة، وحضور ميداني يعيد الثقة إلى القواعد التنظيمية، ويغلق الأبواب أمام كل من يحاول استغلال التحديات لبث الفرقة وإشعال الانقسام. فالصمت في اللحظات الفاصلة قد يُفسَّر ضعفًا، بينما تحتاج الحركة إلى مبادرة وقيادة وحسم.

كما أن الأقاليم والمناطق التنظيمية مطالبة بأن تعود إلى دورها الحقيقي؛ أن تكون الحصن الأول لفتح، وصوت الجماهير، ومدرسة الانتماء، لا أن تنشغل بالحسابات الضيقة. فالحركة التي انتصرت في أصعب الظروف لن يعجزها تجاوز خلافات داخلية إذا صدقت النوايا وتقدمت مصلحة الوطن على كل مصلحة.

إن المرحلة التي نعيشها لا تسمح بالحياد، ولا بالمجاملة، ولا بالتردد. فإما أن تبقى فتح موحدة وقوية، وإما أن يفرح المتربصون بانقسامها. والتاريخ يعلمنا أن الاحتلال لم يكن يومًا المستفيد الوحيد من ضعف الفلسطينيين، بل إن كل مشروع يسعى إلى تفتيت الحركة الوطنية يخدم، بقصد أو بغير قصد، من يريد لهذا الشعب أن يبقى ممزقًا.

رسالتنا إلى اللجنة المركزية، وإلى المجلس الثوري، وإلى كل كادر فتحاوي، أن يرتفعوا إلى مستوى المسؤولية. افتحوا أبواب الحوار مع القواعد، وجددوا الدماء، وحاسبوا المقصر، وكرموا المخلص، ووحدوا الصفوف، وأعيدوا الاعتبار للعمل التنظيمي الحقيقي. ففتح لم تكن يومًا مجرد اسم، بل كانت وما زالت قضية شعب، وذاكرة وطن، وعهدًا مع الشهداء.

أما الذين يراهنون على إسقاط فتح، فليقرأوا التاريخ جيدًا. لقد واجهت الحركة الحروب، والحصار، والاغتيالات، والانشقاقات، والمؤامرات، وبقيت واقفة لأنها تستمد قوتها من شعبها، لا من العواصم، ومن تاريخها، لا من الشعارات.

قد تتحرك خفافيش الظلام عندما يغيب الضوء، لكنها تختفي مع أول شعاع للفجر… أما فتح، فكانت وستبقى شمس الوطن التي لا تنطفئ، مهما طال الليل، ومهما كثرت المؤامرات