السياسي – خلال القمة الأوروبية المنعقدة في بروكسل يومي 15 و16 أكتوبر؛ تزايدت حدة الخلافات بين الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي بشأن الميزانية متعددة السنوات للفترة 2028-2034، في وقت يسعى فيه قادة الدول التكتل إلى التوصل إلى اتفاق سياسي قبل نهاية العام، لتفادي تعقيدات سياسية قد تفرضها الانتخابات المرتقبة في عدد من الدول الأوروبية خلال عام 2027، بما فيها فرنسا وإيطاليا وإسبانيا.
فخلال هذه القمة الأوروبية المنعقدة، برز انقسام واضح بين الدول الداعية إلى تقليص الإنفاق الأوروبي، وفي مقدمتها ألمانيا والسويد، والدول المطالبة بالحفاظ على التمويل وتعزيزه، وعلى رأسها فرنسا وإيطاليا.
تقترح المفوضية الأوروبية ميزانية تتجاوز 1.8 تريليون يورو، فيما تشير التقديرات المطروحة في المفاوضات إلى نحو تريليوني يورو على مدى سبع سنوات. وتهدف هذه الميزانية إلى تمويل أولويات الاتحاد، بما يشمل السياسة الزراعية المشتركة، والدفاع، والتنافسية الاقتصادية، والبحث العلمي، والذكاء الاصطناعي.
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، يدعو إلى زيادة الاستثمارات الأوروبية، مع الحفاظ على الدعم المقدم للمزارعين وتعزيز القدرات الدفاعية والاقتصادية للاتحاد. ويقترح ساكن الإليزيه تطوير موارد مالية مستقلة للاتحاد الأوروبي، بما فيها فرض ضرائب أو رسوم على شركات الخدمات الرقمية العملاقة ومنصات الألعاب عبر الإنترنت، وذلك بدلاً من زيادة مساهمات الدول الأعضاء.
بدورها، تدعو الحكومة البلجيكية إلى تقليص إجمالي ميزانية الاتحاد بصورة ملموسة. في حين، يعتبر المستشار الألماني فريدريش ميرتس أن الميزانية المقترحة مرتفعة للغاية، داعيا إلى خفضها بمئات المليارات من اليوروهات، من دون فرض ضرائب جديدة. من جانبه، يتبنى رئيس الوزراء السويدي أولف كريسترسون موقفا مشابها، معتبراً أن حجم الإنفاق المقترح غير مقبول.
الخلافات لا تقتصر على الجوانب المالية فقط، بل ترتبط أيضاً بالتحولات السياسية المتوقعة في أوروبا. فمع اقتراب الانتخابات الفرنسية والانتخابات المرتقبة في إيطاليا وبولندا ودول أخرى خلال عام 2027، يخشى عدد من القادة أن يؤدي صعود الأحزاب المشككة في المشروع الأوروبي إلى تعقيد المفاوضات أو إعادة فتحها من جديد.
وعليه، يضغط عدد من المسؤولين الأوروبيين من أجل التوصل إلى اتفاق قبل نهاية العام 2026؛ غير أن السويد وإيطاليا تؤكدان أن احترام الجدول الزمني لا ينبغي أن يكون على حساب المصالح الوطنية أو جودة الاتفاق النهائي.
تتمثل إحدى أبرز نقاط الخلاف في كيفية تمويل الأولويات الأوروبية الجديدة، من دون زيادة الأعباء على الميزانيات الوطنية أو تقليص التمويل المخصص للزراعة وسياسات التماسك بين المناطق الأوروبية. وتراهن فرنسا على استحداث موارد مالية خاصة بالاتحاد، مثل فرض رسوم على الخدمات الرقمية، بما يسمح بتمويل الاستثمارات من دون الاعتماد حصراً على مساهمات الدول الأعضاء. لكن هذا المقترح ما يزال بحاجة إلى إقناع الدول المتحفظة، في ظل استمرار الخلاف بشأن حجم الميزانية وتوزيع النفقات.
ويتطلب اعتماد الميزانية الأوروبية موافقة الدول الأعضاء بالإجماع وفق الإجراءات المعمول بها، إلى جانب استكمال المسار التشريعي بمشاركة البرلمان الأوروبي. ويتمسك القادة بضرورة التوصل إلى تسوية، مع استمرار التباين بين الدول المطالبة بالإنفاق على الأولويات الاستراتيجية وتلك التي تدعو إلى ضبط النفقات.
ويحذر رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا من أن التأخر في إقرار الميزانية قد يهدد جاهزيتها مع بداية عام 2028.