خلافات حماس..”بعد أن مكّن السنوار”: قصة تصفية “فتحي حماد” ونفيه إلى تركيا الجزء 12

بقلم: علاء مطر

تخطئ القراءة التي تربط الانقسامات والخلافات التي تشهدها حركة حماس بالحرب وحدها، إذ تكشف الأحداث أن هذه الأزمات تعود بجذورها إلى مرحلة سابقة، شهدت إعادة ترتيب البيت الداخلي الحمساوي، وتركيز القرار في مدينة خانيونس، مسقط رأس يحيى السنوار ومحمد الضيف، وتفكيك مراكز القوة المنافسة، وإدارة الخلافات بالقتل أو الإقصاء تحت التهديد والنفي خارج قطاع غزة، لتشهد الحركة صراع داخلي معقد على المال والنفوذ، صراع لا يقل شراسة عن أي مواجهة خارجية.

في هذا المقال، نذهب خطوة أبعد مما ورد في المقال السابق من سلسلة “خلافات حماس”، الذي كشفنا فيه كيف كان فتحي حماد سببا في فوز يحيى السنوار في انتخابات رئاسة الحركة في قطاع غزة على حساب منافسه نزار عوض الله، لنسلط الضوء على الثمن الذي دفعه لاحقا.

قصة عضو المكتب السياسي البارز فتحي حماد، صاحب الخطاب الفوضوي والتصريحات الشعبوية الصاخبة وغير المسؤولة، التي كثيرا ما أثارت الجدل قبل أن يختفي من المشهد كليا، كانت نتيجة مطقية لنهج السنوار، بعد أن فتح الأخير بدعم من محمد الضيف ملفات ثقيلة ضد فتحي حماد، لا بقصد المحاسبة فقط، بل لاستخدامها كسلاح سياسي في معركة السيطرة الداخلية على قرار الحركة في قطاع غزة.

وحسب مصدر خاص، منذ اليوم التالي لتولي السنوار منصب رئاسة الحركة، لم يتعامل بوصف حماس تنظيما قائما على الشراكة والتوازن، بل كتنظيم يجب إعادة تشكيله بالقوة، وقام بكل الطريق والوسائل إلى نقل ثِقل الحركة السياسي والتنظيمي إلى خانيونس، عبر إحلال شخصيات مقرّبة منه “جغرافيا وشخصيا”، في مواقع القرار: وزراء، ووكلاء وزارات، ورؤساء مؤسسات، ومفاصل أمنية حساسة.

هذا التغيير لم يكن مجرد “تدوير كفاءات حسب خطة السنوار، بل إعادة هندسة للولاءات، أُقصي فيها الحرس القديم، خصوصا أولئك الذين امتلكوا قواعد نفوذ مستقلة، وعلى رأسهم فتحي حماد، الذي كان يحظى بثقل عسكري وأمني واسع في شمال غزة.

في نظر السنوار لم يكن حماد مجرد معارض لسياسة السنوار داخل التنظيم، بل تهديدا استراتيجيا لمشروع تركيز السلطة، ومن هنا انتقل الخلاف من السياسة إلى كسر العظم، من خلال غطاء عسكري كامل، وفّره محمد الضيف، القائد العام لكتائب القسام، وابن خانيونس، ما شكّل محورا مغلقا جَمَعَ القرار السياسي والعسكري في دائرة ضيقة، وهمّش أي إمكانية لاعتراض داخلي فعلي.

وحسب المصدر، أصرّ السنوار، على إخراج فتحي حماد فورا من قطاع غزة وبأي ذريعة كانت، في رسالة قاطعة لا تحتمل التأويل: الخروج الآن أو مواجهة أحد خيارين لا ثالث لهما، القتل أو الفضيحة، وهي معادلة، تكررت مع غيره، لكنها كانت أكثر وضوحا وقسوة في حالة حماد، وأمام هذا الإنذار الصريح، لم يكن أمام حماد سوى خيار واحد، مغادرة القطاع إلى إسطنبول حفاظا على حياته وسمعته، وإسدال الستار على ملف كان يراد دفنه بصمت مثل غيره من الملفات.

واللافت أن مشهد الإقصاء جاء في ذروة عملية إعادة تشكيل القيادة داخل التنظيم، وهو ما ينسف الرواية الرسمية التي رُوجَت لسفره بدوافع علاجية أو لمهام تنظيمية خارجية، فالتوقيت والسياق معا يضعان ما جرى في إطار تصفية داخلية ممنهجة لا تحتمل كثيرا من التأويل، وتعكس طبيعة الصراع الخفي على السلطة داخل الحركة.

وحسب المصدر، الملفات التي لاحقته حقيقية وخطيرة، وتشمل على سبيل المثال لا الحصر، شبهات فساد مالي، وسوء استخدام منصبه “وزير الداخلية”، وتعطيل مسارات سياسية وأمنية حساسة، فضلا عن شبهات أمنية لم تُفتح علنا.

لكن الإشكالية الأخطر ليست وجود الفساد، بل في انتقائية المحاسبة، فالحركة وفق سياسة السنوار، لا تحاسب من يفسد لأنه أفسد، بل حين يصبح عبئا سياسيا، وتفتح الملفات حين يخسر صاحبها الغطاء، وتُغلق حين يخدم بقاءه موازين القوة.

ومن بين الملفات التي تم فتحها داخليا، وفق المصدر، دور حماد في إفشال مسار التهدئة خلال حرب 2014، من خلال إصدار أوامر بشكل شخصي بإطلاق صواريخ في توقيت حساس كانت خلاله تجري مفاوضات وقف إطلاق النار في القاهرة وقد اقتربت من اتمامها، ما أدى إلى انهيار المفاوضات، وانسحاب الوفد الإسرائيلي، ومحاولة اغتيال محمد الضيف بعد ذلك، واغتيال قادة رفح الثلاثة “رائد العطار ومحمد أبو شمالة ومحمد برهوم”، ملف لم يُعرض يوما في إطار تحقيق شفاف، بل استُخدم لاحقا كورقة ضغط، وتبرير سياسة الإقصاء ضده.

ولم تكن حادثة نقل طفلته الصغرى للأردن لتلقي العلاج، بعيدة عن الملفات التي تم فتحها، بل شكلت منعطفا أمنيا خطيرة، لأن نقلها تطلب موافقة وزير الحرب باراك ورئيس الأركان غابي اشكنازي، بالتنسيق مع رئيس الوزراء نتنياهو، بمساعدة قيادة التنسيق والارتباط للجيش الإسرائيلي في قطاع غزة، نقلت الطفلة مع أمها، عبر معبر إيرز إلى مستشفى برزيلاي الإسرائيلي، ثم نقلت إلى الأردن.

وعند الحديث عن ملفات الفساد لا يسعنا أن نتحدث في مقال واحد، وفي الجزء المقبل سنعرض قضايا فساد وشبهات أمنية لم تُعرض سابقا، وبالعودة إلى نفي حماد خارج قطاع غزة، واستقراره في تركيا، قدم حماد طلبات متكررة إلى يحيى السنوار ومحمد الضيف، وهما مَنْ يشكلان تيار الصقور داخل الحركة، للسماح لزوجاته الأربع بمغادرة قطاع غزة والالتحاق به، إلا أن طلبه جرى التعامل معه ببرود متعمد، ورغم طابعه الإنساني الظاهر، إلا أنه في جوهره كان اختبارا سياسيا كشف حجم العقاب غير المعلن المفروض على حماد، فالإقصاء لم يكن قرارا مؤقتا أو إجراء تنظيمي عابر، بل سياسة عقابية ممتدة، استخدمت فيها العائلة كورقة ضغط، في تأكيد إضافي على أن الخروج من غزة لم يكن نهاية العقوبة.

ما سنكشفه في الجزء المقبل، قضايا استغلال منصبه كوزير داخلية، وكواليس وأسرار “البيت الأخضر” الذي أنشأه حسب قوله أسوة بالبيت الأبيض في واشنطن، والصفقات التي كان يجريها داخله، والشبهات الأمنية المتقدمة التي طالت أفراد من عائلته، واستغلال رجال الأعمال مقابل تسهيلات على معبر كرم أبو سالم.

وعند الإطلاع على قضايا فتحي حماد، نرى مدى سقوط نموذج الإدارة الداخلية في الحركة، فبدل بناء مؤسسات رقابية، اتجه إلى طريق التهديد، وبدل فتح الملفات أمام القواعد، فُضّل دفنها بالصمت، وبدلا من المحاسبة العلنية، اعتُمد الإبعاد أو التصفية.

نهج السنوار، حسب سرد سلسلة قصص “خلافات حماس”، نهج أمني مغلق، يرى في كل مركز قوة مستقل خطرا يجب تفكيكه، وفي كل اختلاف تهديدا يجب سحقه والتخلص منه، نهجٌ نجح في تطبيق أفكار السنوار، لكنه زرع بذور تفكك داخلي أخطر من أي تحدٍ خارجي.

فتحـي حماد لم يكن الضحية الأولى، ولن يكون الأخيرة، وما كُشف هنا أمثلة لا على سبيل الحصر.

وللحديث بقية في المقال التالي..