الجزء: 11
في ذروة حرب 2014، حين كان قطاع غزة ساحة مفتوحة للنار والدم، لم يكن الموت والخطر حكرا على الطائرات الإسرائيلية أو القذائف العشوائية، ففي تلك اللحظات الحاسمة، برز خطر آخر أقل ظهورا وأكثر التباسا، خطر جاء من الداخل، كشف عن تصدعات وخلافات خفية داخل الصف القيادي لحركة حماس.
القيادي البارز في الحركة “عماد العلمي”، لم يُصب في غارة جوية، ولم يُستهدف رغم كونه مطلوبا لإسرائيل، بل خرج محمولا على جراحه إثر اعتداء عنيف وقع داخل المكان الذي كان يختبئ فيه مع اثنين من قادة الحركة ومرافقيهم في غزة، قبيل توجه وفد حماس إلى القاهرة للتفاوض على وقف إطلاق النار.
وحسب المصادر الخاصة، أفادت بأن “كسر في الفخذ وقطع في شريان رئيسي”، كانت حصيلة ما وُصف حينها بـ”مشاجرة داخلية”، أنهت حضوره السياسي في تلك اللحظة، وأدت إلى استبعاده عن الوفد المفاوض رغم إعلان الحركة سابقا ضمه رسميا للوفد، فجسد “العلمي” لم يعد قادرا على الوقوف، وتطلب الأمر لاحقا نقله بسرية تامة إلى خارج غزة، وتحديدا إلى إسطنبول لتلقي العلاج، تاركا خلفه أسئلة ثقيلة علامات استفهام كثيرة حول تفاصيل الحادثة وأسبابها.
لكن فصول القصة لم تنتهي هنا عند حدود العلاج، فبعد نجاته، بدأ “العلمي” يلوّح بكشف ما حصل معه من محاول “تصفية داخلية” وحادثة كادت أن تودي بحياته، خاصة وأن العلمي لديه أسرار تتعلق بالجانبين العسكري والسياسي، كونه كان يشغل موقعا حساسا “حلقة وصل بين الجناح العسكري والمستوى السياسي و”الدعوة” داخل الحركة.
خلافات حماس: مشعل وقذارة القيادة، كيف قدم السنوار إلى كبش فداء لحساباته؟ الجزء التاسع
وحسب المصدر، بدأت الأزمة عندما أعرب قادة الجناح العسكري عن رفضهم لحجم التمويل الذي يصل إليهم من المستوى السياسي، مقارنة بما يحصل عليه قطاع “الدعوة”، معتبرين أن هذه الأموال تأتي من إيران تحت عنوان “دعم المقاومة والعمل العسكري”، فيما حاول العلمي نقل هذا الاعتراض إلى المستوى السياسي، وضغط باتجاه زيادة المخصصات المالية، والتي تُقدّر بملايين الدولارات، لصالح الجناح العسكري، لكنه اصطدم برفض قاطع وتوترات، وتحولت الخلافات إلى مشاحنات حادة بينه وبين قيادات المستوى السياسي وقادة “الدعوة” بالحركة، قبل أن تنزلق الأمور وتتصاعد إلى اشتباك جسدي عنيف، تدخل فيه المرافقون، لينتهي المشهد إلى إصابة العلمي بجراح بليغة.
وفي بنية حركة حماس، كما هو الحال في التنظيمات الإسلامية المغلقة، لا يُنظر إلى الاختلاف بوصفه اجتهادا أو وجهة نظر، بل يتم تصنيفه كـ “تمرد”، فمن يغرد خارج السرب، أو يحاول طرح أفكار مغايرة والسعي لإقناع الآخرين بها، يتحول تلقائيا إلى “عبء تنظيمي”، وهذا تماما ما جرى مع “عماد العلمي”، الذي انقلب توصيفه داخل الحركة من “قيادي بارز” إلى “مشكلة”، يُنظر إليها باعتبارها خطرا يجب احتواؤه… أو التخلص منه.
وخلال وجوده في إسطنبول لتلقي العلاج، لم يُترك عماد العلمي ليضمد جراحه بعيدا عن الصراع، تحرك إليه تيار مشعل “البراغماتيين” الذين نهبوا الكثير من الأموال، لا لمراجعة ما حدث معه، بل لاحتواء موقف العلمي وإسكاته، وطلب منه مشعل إقناع الجناح العسكري بأن هناك أمور أخرى ومصروفات للحركة تحتاج إلى الجزء الأكبر من الأموال.
وحسب المصدر، لم يتردد “خالد مشعل” في استخدام منطق القوة المالية، حين قال لـ”العلمي” حرفيا: “قول إلهم إحنا اللي جبنا المال، وإحنا الي بنقدر نمنعه، وبنقدر ما نوصل دولار واحد لغزة”، ليبرز خطاب المال والنفوذ يحمل تهديد مبطن، حتى لو كان الثمن تهميش العسكر، وكسر القيادات وتحويل المال من وسيلة دعم إلى أداة ضبط وإخضاع داخل البيت الحمساوي نفسه.
وبعد عودته من إسطنبول إلى غزة، زاره جميع قيادات حماس “السياسي والعسكري”، بحكم عمله التنسيقي بين الجانبين، ورغم ميله المتزايد نحو الجناح العسكري في الفترة الأخيرة، عادت الخلافات القديمة لتطفو على السطح مجددا، حاول العلمي حينها احتواء الأزمة وإنهاء الصراع بين الجناحين، إلا أن التوتر بلغ ذروته، وتحوّل النقاش الداخلي إلى إطلاق نار، وتمت إصابته برصاصة في رأسه، ما أدخله العناية المركزة عدة أيام.
في تلك الفترة، بدأت تتسرب من داخل حماس روايات تفيد بأن عماد العلمي، عقب إصابته الخطيرة في قدمه، دخل في حالة اكتئاب شديدة وعزلة نفسية، وبحسب هذه الرواية، قرر إنهاء حياته بنفسه، لكن بدلا من أن يُسدل هذا الطرح الستار على الملف، زاد الرواية الغموض، وأشعل تساؤلات أكثر حول حقيقة ما حدث، ومن يقف وراء تصاعد الأزمة لتصل إلى موت قيادي بارز.
وحسب تفكير وعقلية أبناء الحركة، والذين من المفترض أن تُسوق لهم رواية الانتحار، العلمي ليس مجرد اسم في سجلات الحركة، بل هو أحد أعمدتها منذ عام 1974، من الجيل الأول الذي تشكل وعيه الديني والتنظيمي في صلب المشروع الإسلامي للحركة، رجل واسع الإطلاع على الفقه مشبع بالمبادئ الشرعية، وتاريخه الطويل داخل التنظيم معروف بصرامته ومصداقيته، فكيف لرجل بهذه القوة والتشدد الديني والانتماء العقائدي أن يقدم على ما يعتبره خطا أحمر دينيا وأخلاقيا، هنا لا تعود القصة مجرد حالة نفسية، بل تتحول إلى لغز مفتوح، لتصبح رواية “الانتحار”، بحاجة إلى تفسير لا التسويق.
وبعد أيام، خرجت الرواية الرسمية والصادمة في نفس الوقت: عماد العلمي مات بطلق ناري في رأسه أثناء تنظيف سلاحه، لكنها بالنسبة لعامة الناس، وأبناء حماس خاصة، رواية وُلدت ميتة لكثير من الأسئلة الواقعية، كيف لرجل لا يحمل سلاحا أصلا أن يُقتل أثناء تنظيفه؟ وإذا افترضنا جدلا أنه كان يملك السلاح، أين كان مرافقيه المكلّفون بحمايته؟ ولماذا تركوه ينظف سلاحه بنفسه؟ ولماذا تُركِت رصاصة في سلاحه أثناء تنظيفه؟ وكيف يمكن لـ”رصاصة” تنظيف أن تستقر في الرأس؟ جميع هذه الأسئلة تثبت أن الحقيقة هنا لم تمت بمحض الصدفة، بل تمّ إعداد سيناريو لقتلها، فكل حادث عرضي يقتل الحقيقة، والحقيقة تموت بحادث عرضي كي لا يتم إزعاج القيادة، بينما تبقى الأسئلة معلقة، والسواد يغطي على الجريمة الحقيقية.
ما حدث مع عماد العلمي يتجاوز كونه حادثا فرديا أو عرضيا، بل نموذجا مرعبا لطريقة إدارة الخلاف داخل حماس، فحين يصبح قطع الشرايين “مشاجرة”، ويتحول العلاج السري خطوة تحضيرية، ويتم تغليف القصة برصاصة تُسجَّل باسم “الخطأ”، يتضح أن الحدث اغتيالا سياسيا مخططا له بعناية.
والأخطر أن السؤال الذي يتجنب قادة الحركة الإجابة عنه هو: إذا كان عضو المكتب السياسي، صاحب المكانة والامتيازات، لا يُحمى من الضرب أو التهديد أو حتى القتل،، فكيف يُحمى أي عنصر آخر؟ قصة العلمي تكشف عن واقع النظام الحمساوِي: مؤسسة تحمي نفسها عبر الخوف، وتتعامل مع أي صوت مغاير كخطر يجب القضاء عليه، أكثر من أي عدو خارجي، لهذا فإن قصة عماد العلمي ليست مأساة فرد، بل مرآة لحركة تخاف الحقيقة أكثر مما تخاف “إسرائيل”.
وللحديث بقية في المقال التالي..







