جاري التحميل...

دحلان وحماس.. أعداء الأمس يصنعون معادلة فلسطين الجديدة

بقلم: د. صالح الشقباوي
أستاذ الفلسفة وعلم الاجتماع – جامعة الجزائر 2

في السياسة الفلسطينية، هناك لحظات لا يجوز التعامل معها باعتبارها خبراً عابراً، لأن بعض الأخبار لا تصف الواقع فقط، بل تكشف أن الواقع نفسه قد بدأ يتغير.
ولعل اللقاءات الأخيرة في القاهرة بين قيادة حركة حماس، برئاسة خليل الحية، ووفد تيار الإصلاح الديمقراطي في حركة فتح بقيادة محمد دحلان، واحدة من أكثر اللحظات السياسية دلالة في تاريخ الصراع الفلسطيني الداخلي منذ الانقسام عام 2007. فقد التقى الطرفان، اللذان كانا بالأمس القريب في موقع الخصومة والصدام، لبحث ملفات سياسية ووطنية، بينها تثبيت وقف إطلاق النار في غزة، والمرحلة المقبلة، وإمكانات التنسيق السياسي والانتخابي.
إنها مفارقة سياسية كبرى:
دحلان الذي كان أحد أبرز خصوم حماس في غزة، وحماس التي خاضت مع تيار دحلان صراعاً دموياً، يجلسان اليوم إلى طاولة واحدة للبحث في مستقبل فلسطين.
وهنا لا ينبغي أن نتوقف عند سؤال: هل تصالح دحلان مع حماس؟
السؤال الأعمق هو:
هل بدأت فلسطين تتجاوز ثنائية فتح–حماس نحو نظام سياسي فلسطيني جديد؟
من ذاكرة الدم إلى منطق المصلحة
التاريخ السياسي لا يتحرك دائماً وفقاً لمنطق الذاكرة، بل كثيراً ما يتحرك وفقاً لمنطق المصلحة.
لقد غيّرت حرب غزة البيئة الفلسطينية بصورة عميقة، وأصبح استمرار الانقسام بالصيغة القديمة أكثر صعوبة. كما أن الحديث عن الانتخابات الفلسطينية المقبلة، المقررة في نوفمبر/تشرين الثاني، فتح الباب أمام اصطفافات لم تكن مطروحة بهذه الصورة قبل أشهر. وتشير التقارير إلى بحث قوائم انتخابية ائتلافية يمكن أن تضم حماس وتيار دحلان وقوى فلسطينية أخرى.
وهذا يعني أن حماس بدأت تنظر إلى السياسة من زاوية أوسع من إدارة غزة، بينما يحاول دحلان العودة إلى مركز الفعل السياسي الفلسطيني من بوابة غزة.
كل طرف يحتاج إلى الآخر، ولكن لأسباب مختلفة.
حماس تملك قاعدة شعبية وتنظيمية واسعة داخل قطاع غزة، بينما يمتلك دحلان شبكة علاقات عربية وإقليمية ودولية، إضافة إلى حضوره السياسي والاجتماعي في غزة. وقد وصفت تقارير دولية دحلان بأنه يسعى إلى استعادة دور سياسي فلسطيني مركزي مع اقتراب الانتخابات.
حماس ما بعد الحرب ليست حماس ما قبلها
وهنا تكمن إحدى أهم النقاط.
الحرب غيّرت حماس، كما غيّرت غزة.
فالحركة التي كانت تدير قطاع غزة بصورة منفردة أصبحت أمام سؤال تاريخي: كيف تنتقل من موقع القوة التي تحكم القطاع إلى موقع القوة السياسية التي تشارك في صياغة النظام الفلسطيني الجديد؟
واللافت أن رئيس مكتبها السياسي خليل الحية أصبح خلال المرحلة الحالية أحد أبرز الوجوه في الاتصالات السياسية، بما فيها اللقاءات مع مسؤولين أميركيين في القاهرة.
هذا يعني أن حماس نفسها بدأت تتحرك في مساحة سياسية أكثر اتساعاً، دون أن يعني ذلك بالضرورة أنها تخلت عن هويتها أو رؤيتها أو موقفها من المقاومة.
ودحلان أيضاً ليس دحلان 2007
في المقابل، فإن محمد دحلان لا يعود إلى المشهد بالطريقة التي خرج بها منه.
هو يعود اليوم من خلال متغير فلسطيني وإقليمي مختلف تماماً.
لقد أصبح السؤال المطروح أمامه ليس فقط: كيف يعود إلى فتح؟
بل:
كيف يعود إلى فلسطين السياسية؟
وهنا يمكن أن تكون غزة بوابته.
فإذا استطاع دحلان أن يتحول من خصم تاريخي لحماس إلى شريك سياسي معها، فإنه يكون قد نقل نفسه من موقع المعارضة لقيادة السلطة الفلسطينية إلى موقع اللاعب القادر على التأثير في مستقبل النظام الفلسطيني كله.
المفاجأة الأكبر: الانتخابات
إذا تطورت الاتصالات الحالية إلى قائمة انتخابية مشتركة أو ائتلاف انتخابي واسع، فإننا سنكون أمام زلزال سياسي فلسطيني حقيقي.
فالمعادلة لن تعود:
فتح في مواجهة حماس.
بل قد تصبح:
تحالفات متعددة في مواجهة نظام سياسي فلسطيني قديم.
وهنا يمكن أن تدخل قوى أخرى إلى المعادلة، بما فيها الجهاد الإسلامي وقوى سياسية واجتماعية مختلفة، الأمر الذي قد ينتج كتلة فلسطينية جديدة ذات وزن انتخابي وسياسي كبير. والتقارير الحالية تتحدث بالفعل عن جهود لتشكيل ائتلافات واسعة قبل الانتخابات.
ماذا يعني ذلك لمحمود عباس؟
هنا تظهر المسألة الأكثر حساسية.
إذا نجح تقارب حماس–دحلان، فإنه لن يكون موجهاً ضد فتح كحركة تاريخية، بقدر ما سيكون تحدياً لصيغة احتكار القرار الفلسطيني.
وهذه نقطة جوهرية.
فالخلاف القادم قد لا يكون بين فتح وحماس فقط، وإنما بين:
من يريد استمرار النظام السياسي الفلسطيني بصيغته القديمة، ومن يريد إعادة بناء النظام من خلال الانتخابات والتحالفات وإعادة توزيع مراكز القوة.
وهذا يضع الرئيس محمود عباس وقيادة فتح أمام تحدٍّ تاريخي: هل تستطيع فتح إعادة إنتاج نفسها سياسياً، أم أن القوى الفلسطينية الجديدة ستفرض عليها شراكة جديدة؟
أخطر ما في المشهد وأهم ما فيه
أنا لا أرى أن ما يجري هو مجرد تحالف انتخابي.
بل أراه محاولة فلسطينية لإعادة بناء مفهوم الشراكة الوطنية.
فالخصومة التي استمرت قرابة عقدين لم تستطع أن تنتج دولة فلسطينية، ولم تستطع أن تنهي الاحتلال، ولم تستطع أن توحد النظام السياسي.
أما اليوم، فإن أعداء الأمس يكتشفون أن استمرار الخصومة قد يكون أكثر كلفة من الحوار.
وهنا تظهر فلسفة سياسية جديدة:
ليس المطلوب أن يصبح دحلان حماسياً، ولا أن تصبح حماس دحلانية؛ المطلوب أن يصبح الاثنان فلسطينيين داخل مشروع وطني واحد.
وهذه هي النقطة الفاصلة.
هل نحن أمام “النظام الفلسطيني الثالث”؟
في تقديري، نعم، إذا اكتمل المسار.
لقد عاش الفلسطينيون طويلاً في ظل نظام فتح، ثم عاشوا منذ 2007 في ظل نظام الانقسام بين فتح وحماس.
أما الآن فقد تكون فلسطين أمام محاولة ولادة نظام سياسي فلسطيني ثالث:
نظام يقوم على الانتخابات، والتعددية، والشراكة، وإعادة توزيع القوة، وإنهاء احتكار القرار، وإدخال غزة والضفة في منظومة سياسية واحدة.
وإذا نجح هذا المسار، فإن دحلان لن يكون مجرد رجل عاد إلى المشهد، وحماس لن تكون مجرد حركة مقاومة تدخل الانتخابات.
بل سيصبح الطرفان جزءاً من عملية إعادة تأسيس للنظام السياسي الفلسطيني.
الخلاصة
إن صورة دحلان وحماس وهما يجلسان إلى طاولة واحدة ليست مجرد صورة سياسية.
إنها صورة تختصر تحولاً تاريخياً:
أعداء الأمس يبحثون عن مصالح الغد.
وقد يكون هذا التحول بداية نهاية مرحلة فلسطينية كاملة؛ مرحلة الانقسام، والاقتتال، والتفرد، واحتكار القرار.
لكن نجاح هذا التحالف مشروط بشيء واحد:
أن يبقى فلسطينياً، لا أن يتحول إلى صفقة إقليمية لإدارة غزة أو إعادة توزيع النفوذ فيها.
فإذا أصبح الهدف هو بناء نظام سياسي فلسطيني موحد، وإعادة غزة إلى المشروع الوطني، وإجراء انتخابات حقيقية، وإعادة بناء منظمة التحرير على أسس ديمقراطية، فإن لقاء دحلان وحماس قد يصبح من أهم اللقاءات السياسية الفلسطينية منذ اتفاق مكة.
أما إذا كان مجرد تحالف انتخابي مؤقت لإقصاء طرف فلسطيني آخر، فسوف ينتهي كما انتهت تحالفات كثيرة قبله.
إن فلسطين اليوم لا تحتاج إلى انتصار حماس على دحلان، ولا إلى انتصار دحلان على حماس.
فلسطين تحتاج إلى انتصار فلسطين على انقسامها.
وهنا تحديداً تكمن أهمية ما يحدث في القاهرة.
بقلم: د. صالح الشقباوي
أستاذ الفلسفة وعلم الاجتماع – جامعة الجزائر 2