دراسة عبرية: تركيا خطر كبير على اسرائيل

تركيا ليست إيران، لكنها تشكل تهديداً لإسرائيل في عدة مجالات. في الخطاب العام الإسرائيلي، شاع وصف أنقرة بأنها “إيران الجديدة”، وهو توصيف إشكالي لأنه يقلل من شأن التهديد الإيراني القائم، ويغفل حقيقة أن تركيا عضو في حلف الناتو ولها علاقات وثيقة بالغرب، ولا تسعى لإنشاء شبكة وكلاء ضد إسرائيل كما تفعل إيران، ومع ذلك، فإن النفوذ التركي المتزايد في سوريا وغزة يثير قلقاً إسرائيلياً متنامياً.

تركيا والوجود العسكري في سوريا
تركيا عززت وجودها العسكري في شمال سوريا منذ عام 2016، لكن طموحاتها توسعت بعد سقوط نظام الأسد في ديسمبر 2024. إسرائيل تخشى من أن يؤدي هذا التوسع إلى مواجهة مباشرة بين قواتها والقوات التركية، خاصة مع القيود المفروضة على نشاط سلاح الجو الإسرائيلي في الأجواء السورية. ورغم وجود “خط ساخن” بين الطرفين لتجنب الصدام، فإن احتمالية المواجهة الجوية لا تزال قائمة.

تركيا ودورها في غزة
تركيا لعبت دوراً بارزاً في الضغط على حركة حماس للموافقة على وقف إطلاق النار والإفراج عن المختطفين الإسرائيليين. لكن إسرائيل ترفض أي دور تركي في تسوية غزة بسبب دعم أنقرة العلني لحماس. تصريحات الرئيس رجب طيب أردوغان، الذي وصف حماس بأنها “حركة مقاومة”، زادت من حدة التوتر، خصوصاً بعد دعوته في مارس 2025 إلى “تدمير إسرائيل الصهيونية”. كما أن تركيا تخطط لإرسال نحو 2000 جندي ضمن قوة الاستقرار الدولية في غزة، وهو ما ترفضه إسرائيل بشدة.

 

تركيا والعلاقات الاقتصادية مع إسرائيل
تركيا فرضت حظراً اقتصادياً على إسرائيل في مايو 2024، ولم يُرفع حتى الآن. ورغم ذلك، استمرت التجارة عبر دول ثالثة وتجار فلسطينيين، حيث وصلت بعض الأشهر إلى نصف حجم التجارة قبل المقاطعة. هذا يعكس اهتمام رجال الأعمال في كلا البلدين باستمرار العلاقات الاقتصادية رغم التوترات السياسية. أما الرحلات الجوية بين البلدين فقد توقفت منذ بداية الحرب ولم تُستأنف.

تركيا وقبرص وأساطيل الحرية

التوترات بين إسرائيل وتركيا برزت أيضاً في قضية قبرص، بعد نشر منظومة الدفاع الجوي “باراك إم إكس” التي اشترتها قبرص من إسرائيل، ما أثار غضب أنقرة. كما عادت قضية أساطيل الحرية إلى الواجهة، حيث شارك نواب أتراك في أسطول “الصمود” المتجه إلى غزة في أكتوبر، ما أعاد إلى الأذهان أزمة سفينة “مافي مرمرة” عام 2010.

 

تركيا والتوسع العسكري
تركيا تعمل على معالجة نقاط ضعف جيشها، خاصة في سلاح الجو. فقد وقعت اتفاقية مع بريطانيا لشراء 20 طائرة “يوروفايتر تايفون”، وتستعد لشراء 24 طائرة مستعملة من الإمارات وعُمان. كما تسعى لبناء نظام دفاع جوي “القبة الفولاذية”، وتطوير صواريخ متوسطة وبعيدة المدى، مع تقارير عن إنشاء منشأة لاختبار الصواريخ في الصومال. هذه التطورات العسكرية تثير قلق إسرائيل من تعزيز القدرات التركية في المنطقة.

تركيا والتحركات القانونية والدبلوماسية
تركيا انضمت إلى دعوى جنوب أفريقيا ضد إسرائيل أمام محكمة العدل الدولية، متهمة إياها بارتكاب جرائم إبادة جماعية. كما أصدرت النيابة العامة في إسطنبول مذكرات توقيف بحق 37 مسؤولاً إسرائيلياً رفيع المستوى بتهم جرائم حرب. هذه الخطوات القانونية والدبلوماسية تعكس تصعيداً تركياً ضد إسرائيل على الساحة الدولية.

 

تركيا والولايات المتحدة والناتو
إسرائيل ترى أن تدخل الولايات المتحدة ضروري لتخفيف التوتر مع تركيا. تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي أشاد بدور أردوغان في إطلاق سراح المختطفين، تعكس أهمية الدور التركي في بعض الملفات. ومع ذلك، فإن إسرائيل ترفض مشاركة الجنود الأتراك في قوة الاستقرار الدولية في غزة. كما أن التوتر بين إسرائيل وتركيا يؤثر على علاقات أنقرة مع قبرص واليونان، ويعرقل التعاون بين إسرائيل وحلف الناتو بسبب الفيتو التركي.

تركيا والمصالح المشتركة مع إسرائيل
رغم التوترات، هناك مجالات تتكامل فيها مصالح إسرائيل وتركيا، مثل مواجهة النفوذ الإيراني في سوريا والقوقاز. لكن انعدام الثقة العميق بين البلدين يجعل التعاون محدوداً، ويعتمد بشكل كبير على تدخل الولايات المتحدة وأعضاء الناتو الآخرين.

 

تركيا والسياسة الداخلية
التوترات بين إسرائيل وتركيا مرتبطة أيضاً بالسياسة الداخلية في كلا البلدين. فقد فرض أردوغان المقاطعة التجارية بعد نتائج الانتخابات المحلية السلبية لحزبه في مارس 2024، بينما يخشى نتنياهو من أن يُنظر إلى السماح لتركيا بلعب دور محوري في إعادة إعمار غزة كتنازل سياسي داخلي. هذا يوضح أن القرارات المتعلقة بالعلاقات الثنائية ليست فقط إقليمية، بل مرتبطة أيضاً بالاعتبارات الداخلية.

تركيا ليست إيران، لكنها تشكل تهديداً لإسرائيل في عدة مجالات: عسكرياً عبر وجودها في سوريا وتطوير قدراتها الدفاعية، سياسياً عبر دعمها لحماس، اقتصادياً عبر المقاطعة التجارية، ودبلوماسياً عبر تحركاتها في المحافل الدولية. ورغم وجود مصالح مشتركة، فإن انعدام الثقة العميق بين البلدين يجعل من الصعب بناء تعاون مستدام. في ظل هذه المعطيات، يبقى تدخل الولايات المتحدة وحلف الناتو عاملاً أساسياً في منع التصعيد وضمان استقرار المنطقة.