جاري التحميل...

دراسة فكرية لكتاب “تأثير النكبة على مكونات الأسرة الفلسطينية في الشتات” للدكتور صالح محمد الشقباوي

مقدمة
يمثل كتاب “تأثير النكبة على مكونات الأسرة الفلسطينية في الشتات” عملاً أكاديمياً يجمع بين التحليل التاريخي والاجتماعي والفلسفي، ويقدم قراءة عميقة للنكبة الفلسطينية بوصفها مشروعاً استعمارياً استهدف الإنسان الفلسطيني قبل الأرض، والأسرة قبل الدولة، والذاكرة قبل الجغرافيا. ويؤكد المؤلف أن الأسرة الفلسطينية كانت الهدف المركزي لمشروع الاقتلاع، لأنها الحاضنة الأولى للهوية الوطنية والثقافية.

يتألف الكتاب من مقدمة وأربعة عشر فصلاً؛ منها عشرة فصول نظرية وأربعة فصول ميدانية اعتمدت على الدراسة الاجتماعية والتوثيق البصري.
أولاً: الدراسة النظرية
الفصل الأول: المجتمع الفلسطيني قبل النكبة
يرسم المؤلف صورة دقيقة للمجتمع الفلسطيني قبل عام 1948، موضحاً تماسك الأسرة الممتدة، وقوة العلاقات الاجتماعية، وارتباط الإنسان الفلسطيني بأرضه وقريته. ويؤكد أن الأسرة كانت مؤسسة اقتصادية واجتماعية وثقافية حافظت على الهوية الوطنية عبر الأجيال.
الفصل الثاني: العنف والتطرف في الشخصية الصهيونية
يناقش هذا الفصل الجذور الفكرية والسياسية للعنف الصهيوني، ويرى أن العنف لم يكن سلوكاً عارضاً، بل جزءاً من بنية المشروع الصهيوني الهادف إلى إحلال مجتمع مكان مجتمع آخر، عبر الطرد والإحلال والإقصاء.
الفصل الثالث: فلسفة الطرد وتأثيرها على الهوية والأسرة الفلسطينية
يحلل المؤلف مفهوم الطرد باعتباره سياسة وجودية تهدف إلى اقتلاع الإنسان الفلسطيني من المكان والذاكرة معاً. ويرى أن الطرد أحدث شرخاً في بنية الأسرة، لكنه لم ينجح في إلغاء الهوية الفلسطينية التي بقيت الأسرة حارستها الأولى.
الفصل الرابع: النكبة وتفكيك الأسرة
يعد هذا الفصل من أهم فصول الكتاب، إذ يوضح كيف أدت النكبة إلى تفكيك البناء الأسري بفعل اللجوء والشتات وفقدان الأرض والعمل والاستقرار، وما نتج عن ذلك من تحولات اجتماعية ونفسية عميقة.
الفصل الخامس: المشروع الوطني الفلسطيني
يبين المؤلف أن المشروع الوطني الفلسطيني لم يكن مشروعاً سياسياً فقط، بل مشروعاً اجتماعياً وثقافياً حافظ على وحدة الأسرة الفلسطينية، ورسخ قيم العودة والانتماء والمقاومة.
الفصل السادس: المشروع الصهيوني وتحولاته البنيوية
يتناول هذا الفصل أهداف المشروع الصهيوني ومكوناته وتحولاته الفكرية والسياسية، ويقارن بينه وبين المشروع الوطني الفلسطيني، موضحاً أن الصراع بين المشروعين هو صراع بين مشروع إحلالي استعماري ومشروع تحرري يسعى إلى استعادة الأرض والهوية.
ثانياً: الدراسة الميدانية
اعتمدت الدراسة الميدانية على تحليل واقع الأسر الفلسطينية في الشتات، وركزت على عدة محاور رئيسية.
1. المنفى بوصفه نتيجة للطرد القسري
يرى المؤلف أن المنفى الفلسطيني لم يكن هجرة اختيارية، بل كان نتيجة مباشرة لسياسات الطرد والإجبار، الأمر الذي أعاد تشكيل البناء الاجتماعي للأسرة الفلسطينية.
2. أهداف الدراسة الميدانية
هدفت الدراسة إلى:
رصد التحولات التي أصابت الأسرة الفلسطينية بعد النكبة.
دراسة أوضاع المرأة الفلسطينية داخل الأسرة وفي المجتمع.
تحليل دور المرأة في حماية الهوية الوطنية.
إبراز دور الأسرة في نقل الذاكرة الفلسطينية بين الأجيال.
دراسة آثار اللجوء على البناء الاجتماعي والثقافي.
3. المرأة الفلسطينية حارسة الهوية
يخلص المؤلف إلى أن المرأة الفلسطينية كانت الركيزة الأساسية في الحفاظ على الهوية الوطنية داخل الشتات، من خلال التربية، ونقل الرواية التاريخية، والمحافظة على العادات والتقاليد، وربط الأبناء بالوطن.
4. النكبة بالصور والتوثيق
يختتم الكتاب بفصل توثيقي بصري يضم صوراً ووثائق تؤرخ لعمليات التهجير القسري، وإزاحة الفلسطيني عن أرضه، وتحويل المكان الفلسطيني إلى فضاء استيطاني جديد، لتصبح الصورة شاهداً تاريخياً على الجريمة وعلى صمود الذاكرة الفلسطينية.
خاتمة
يقدم الدكتور صالح الشقباوي في هذا الكتاب دراسة رصينة تتجاوز الوصف التاريخي للنكبة إلى تحليل آثارها البنيوية في الأسرة الفلسطينية. ويبرهن أن الأسرة كانت وما تزال المؤسسة الأكثر قدرة على حماية الهوية الوطنية، وأن الذاكرة الجماعية التي حملتها الأمهات والآباء والأجداد شكلت أحد أهم أسباب بقاء القضية الفلسطينية حية رغم مرور العقود.
ويعد هذا الكتاب إضافة مهمة للمكتبة العربية في مجالات علم الاجتماع، والدراسات الفلسطينية، ودراسات اللجوء والهوية، لأنه يربط بين التحليل النظري والبحث الميداني والتوثيق البصري في إطار علمي متكامل.
إعداد الدراسة:
د. صالح الشقباوي
أستاذ الفلسفة وعلم الاجتماع – جامعة الجزائر 2