لم تعد العلاقة بين الولايات المتحدة والحركة الصهيونية علاقة تحالف تقليدي يمكن تفسيره ضمن إطار المصالح الاستراتيجية فحسب، بل أصبحت علاقة بنيوية مركبة تتداخل فيها الأبعاد السياسية مع اللاهوتية، والاقتصادية مع الثقافية، لتؤثر ليس فقط في الشرق الأوسط، بل في مجمل التوازنات داخل الفضاء الغربي، وخاصة في أوروبا.
أولاً: من التحالف الاستراتيجي إلى البنية الأيديولوجية
منذ قيام إسرائيل عام 1948، شكل الدعم الأمريكي لها ركيزة ثابتة في السياسة الخارجية الأمريكية. غير أن هذا الدعم تطور من كونه جزءاً من معادلات الحرب الباردة إلى بنية أيديولوجية عميقة، تعززت مع صعود التيار الإنجيلي المحافظ وتنامي نفوذ اللوبيات المؤيدة لإسرائيل داخل مراكز القرار في واشنطن.
هذا التداخل أوجد ما يمكن تسميته “التحالف الوجودي”، حيث أصبحت إسرائيل تُقدَّم بوصفها تمثيلاً للقيم الغربية في الشرق، لا مجرد حليف عسكري. وهنا يبدأ التفكك: فحين تتحول العلاقة إلى تطابق رمزي، يصبح أي نقد لإسرائيل وكأنه نقد للغرب ذاته.
ثانياً: التفكك الأمريكي الداخلي وانعكاسه الأوروبي
تشهد الولايات المتحدة اليوم انقساماً داخلياً متزايداً حول سياساتها الخارجية، بما في ذلك علاقتها بإسرائيل. فتيارات شبابية وليبرالية وأكاديمية بدأت تعيد مساءلة الدعم غير المشروط، خاصة في ظل تصاعد الحديث عن حقوق الإنسان والعدالة الدولية.
هذا التفكك الداخلي لا يبقى محصوراً داخل الحدود الأمريكية، بل يمتد أثره إلى أوروبا، التي لطالما وجدت نفسها بين تبعية أمنية للقرار الأمريكي، ورغبة في صياغة سياسة خارجية أكثر استقلالاً. فالغرب الأوروبي يعيش حالة توتر بين التزامه التاريخي بأمن إسرائيل، وبين ضغط الرأي العام الذي يتنامى تعاطفه مع القضية الفلسطينية.
ثالثاً: الغرب الأوروبي بين الإرث والواقع
إن دولاً مثل فرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة تجد نفسها أمام معادلة معقدة:
من جهة، هناك إرث تاريخي وثقافي يربطها بإسرائيل.
ومن جهة أخرى، هناك واقع سياسي داخلي وضغوط شعبية تدفع نحو مراجعة هذا الانحياز.
ديالكتيك التفكك هنا يتجلى في اتساع الفجوة بين الخطاب الرسمي الأوروبي المتماهي غالباً مع الموقف الأمريكي، وبين المزاج الشعبي الذي يميل إلى تبني خطاب حقوقي أكثر توازناً. ومع كل أزمة كبرى في الشرق الأوسط، تتسع هذه الفجوة.
رابعاً: الأثر الجيوسياسي
إن استمرار التفكك بين الرؤية الأمريكية التقليدية وصعود تيارات نقدية داخلها، يضع الغرب الأوروبي أمام خيارين:
إما الاستمرار في الاصطفاف الكامل خلف واشنطن،
أو محاولة صياغة سياسة أوروبية مستقلة أكثر توازناً في التعاطي مع الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي.
وهذا التحول المحتمل لا يرتبط فقط بالقيم، بل بمصالح أوروبا الاستراتيجية في الشرق الأوسط، وبحاجتها إلى الاستقرار في محيطها الجنوبي.
خاتمة
إن ديالكتيك التفكك بين أمريكا والحركة الصهيونية لا يمثل مجرد خلافات تكتيكية، بل يعكس تحولات أعمق في بنية الغرب ذاته. فحين تتصدع العلاقة بين المركز الأمريكي وأطرافه الأوروبية حول قضايا العدالة والشرعية الدولية، فإننا نكون أمام إعادة تشكل في الوعي السياسي الغربي.
ويبقى السؤال الفلسفي والسياسي معاً:
هل سيقود هذا التفكك إلى مراجعة حقيقية في السياسات الغربية تجاه القضية الفلسطينية، أم أنه سيظل مجرد اختلاف في الأسلوب مع بقاء الجوهر ثابتاً؟
ذلك ما ستحدده تحولات المرحلة القادمة، وصراع السرديات في فضاء الغرب نفسه.






